دارفور الخلفية التاريخية للأزمة وأسباب تطورها




توزيعات القبائل بالإقليم

إعداد: د.أسامة علي زين العابدين
تعتبر ظاهرة الصراع القبلي في دارفور قديمة، ويؤرخ لها بقيام سلطنة الفور الثانية عام 1605م والتي أسسها السلطان سليمان سلونقا وقامت أصلاً على العصبية القبلية، وقد تجلت هذه العصبية في فرع قبيلة الكيرا الذي قام ببسط سلطانه على معظم القبائل وخاصة البعيدة عن مراكز السلطة، وفي عهد السلطان علي دينار أيضاً (1899–1916م) كانت هنالك حروب قبلية ولم تتوقف حتى في أخريات أيامه، وظلت الحروب في دارفور مستمرة منذ الحكم التركي في عهد سلاطين باشا ثم في عهد الخليفة عبد الله التعايشي إبان الثورة المهدية، التي حاولت فيها إخضاع قبائل الفور والمساليت والرزيقات والهبانية والتعايشة وبني هلبة والزغاوة والميدوب. up أولاً: الخلفية التاريخية للأزمة
ثانياً: أسباب تطور الأزمة
أولاً: الخلفية التاريخية للأزمة
أحكمت حكومة العهد الثنائي (1916–1956م) فبضتها على إقليم دارفور واستعملت نظام الإدارة الأهلية لإخضاع القبائل وإجبارها على الصلح، وتمكنت بذلك من السيطرة على الأمن والاستقرار واحتواء المشاكل آنذاك، لكن ما أن جاءت الإدارة الوطنية بعد الاستقلال حتى ظهرت في المجتمع بوادر تململ قبلي ما انفض ينفجر من حين لآخر."
كانت النزاعات تنشب في إقليم دارفور من حين لآخر منذ فترات بعيدة بسبب النزاع على الموارد الطبيعية الأرض وبسبب النزوح والخلافات القبيلة والنهب المسلح أو بسبب سياسات الحكومات المركزية وضعف التنمية
"
ونسبة للتغيرات السياسية والإدارية مع ضعف الكوادر غير المدربة في الإدارة برزت مجموعة نزاعات وصراعات وكانت أهمها يتجسد في الآتي:
1- الصراع بين الرزيقات والمعاليا 1968م.
2- الصراع بين بني هلبة والزيادية والمعاليا 1970م.
3- الصراع بين بني هلبة والرزيقات الشمالية 1976م.
أما أهم الصراعات التي وقعت ما بين عام 1976م–1980م تمثلت في الآتي:
4- الصراع بين الرزيقات والداجو.
5- الصراع بين الرزيقات والفور.
6- الصراع بين الرزيقات والبرقو.
كذلك شهدت الفترة من عام (1980م– 1998م) حوالى (22) صراعاً في دارفور، شاركت فيها غالبية القبائل وإن كانت قبيلتا الزغاوة والمساليت الأكثر انخراطاً في هذه الصراعات(1).
وقد أخذت الحروبات في دارفور أشكالاً عدة منها ما يتعلق بالغارات التي يشنها الفرسان فيما بينهم كسباً للمال ومنها ما يتعلق بالاقتتال حول المراعي، وبعد الاستقلال تنامت حركات الاحتجاج في بعض المناطق الطرفية كنتيجة حتمية لسياسات الاستعمار والوعود التي وعد بها قيادات الأحزاب في ذلك الوقت لكسب أصوات الناخبين، ففي ذلك الوقت ظهر في دارفور جبهة نهضة دارفور، وجاء تكوين هذه الجبهة إثر استئثار الأحزاب التقليدية خاصة حزب الأمة بالدوائر الجغرافية(2).
وهكذا تعددت الأسباب والعوامل منذ القدم لنشوب الصراعات في دارفور، وأهم أسباب الصراعات في دارفور يمكن تقسيمها إلى عدة عوامل هي:

1- الصراع حول الموارد الطبيعية
فالصراع الحقيقي بدأ عام 1983م بين الرعاة والمزارعين والتنافس حول الموارد الشحيحة والأرض الصالحة للزراعة، وكنتيجة لموجات الجفاف والتصحر التي ضربت منطقة الساحل الأفريقي منذ أواخر الستينيات والتحولات البيئية التي نتجت عنها انحسر نطاق المراعي والموارد المائية والتربة الخصبة، وحماية للحقوق المشتركة بين المزارعين والرعاة، اتقف أهل دارفور على فتح مراحيل ومسارات أصبحت الآن سبباً، للصراعات القبلية(3) وذلك لكثرة أعداد الإبل والماشية التي تمر عبر المرحال ليستحيل معها ضبط هذه الحركة خاصة مع التوسع الزراعي، فضلاً عن بعض الأخطاء الإدارية وعدم متابعة السلطات المحلية المراحيل الموسمية، أيضاً أن محاولة بعض القرويين قفل المسارات أو الطرق التي تؤدي إلى مشارب المياه تسبب في صراعات دموية بين المزارعين والرعاة، كما نجد أيضاً في أحيان كثيرة نتيجة للضغوط الاقتصادية بعض المواطنين بحجز موارد المياه والآبار، وذلك بتسويرها بأشواك والبدء في بيعها بالصفيحة، ولأن الرعاة يعتبرون الماء ملكاً مشاعاً فهم لا يترددون البتة في إزالة الأشواك، كما يقوم بعض المزارعين في محاولة منهم لإبعاد الرعاة عن مناطقهم وتجنب الصراع بحرق المراعي والعلف الطبيعي ولمسافات شاسعة، ما يؤدي لصراعات دموية(4). ويظهر هذا الصراع بصورة واضحة بين قبائل الزغاوة والرزيقات الشمالية (المهرية والجلول والعريقات) في العام 1969م بمنطقة الجنيك التابعة لمحافظة كتم، وفي عام 1994م بنفس المنطقة، وكذلك النزاع بين الزيادية والميدوب ضد الكبابيش والكواهلة في منطقة شمال الفاشر منذ عام 1932م وتكررت في الأعوام 1957م، 1964م، 1982م، 1997م، وجميعها نزاعات حول مصادر المياه والرعي(5).

2- الصراع حول الأرض
من الصراعات الموجودة في دارفور أيضاً الصراع حول الأرض أو (الحواكير)، كان سبباً آخر ومهدداً لذلك النزاع والصراع الراهن في دارفور، والحواكير هي أرض زراعية أو سكنية أو رعوية يهبها سلطان من سلاطين الفور لشخص أو جماعة أو قبيلة أو عشيرة بمرسوم سلطاني يحدد حدودها على الطبيعة ملكاً لها يتوارثها من بعده ورثته، فأصبحت الحاكورة لا تفي لسد حاجتهم(6)، وكذلك مطالبة بعض القبائل إلغاء نظام الحواكير وديار القبائل وبالتالي التعامل بالقيم والمفاهيم الجديدة بدلاً من الاحتكام إلى التراث والعرف(7).

3- النزوح
تحدث ظاهرة النزوح نتيجة لعوامل كثيرة منها السياسية حيث تجبر الأوضاع السياسية والأمنية بأن تتحرك بعض المجموعات من السكان إلى مناطق أخرى طلباً للأمن، ومنها الطبيعية كما أجبرت الظروف الطبيعية التي تعرض لها سكان دارفور في ال(15) سنة الماضية الكثير من السكان على التحرك من الشمال إلى أواسط وجنوب دارفور وخاصة المدن مثل نيالا وبنفس القدر نزحت مجموعات كبيرة من الرعاة إلى المناطق الجنوبية مما شكل ضغطاً على المجموعات المستقرة(8)، ويشكل سكان الحواضر اليوم حوالى ثلث سكان دارفور أي (33%) مما يمثل تعديلاً واختلالاً في نظام السكن الحضري في الإقليم والذي لم يكن يتجاوز تعداده خلال سنوات ما بعد الاستقلال (5%) ويعود السبب إلى النزوح الناتج عن الحرب والاختلال الأمني الذي أفضى لتفريغ الريف لصالح الحواضر، الأمر الذي يشكل قلب مشكلة دارفور حالياً(9).

أيضاً تعرضت منطقة غرب أفريقيا منذ السبعينيات لظروف طبيعية قاسية انعكس ذلك على أجزاء واسعة من السودان وخاصة منطقة دارفور والتي تضررت كثيراً في الأعوام 1952، 1969م، 1973م، 1984م، وهذه الظروف كانت نتيجة لأسباب طبيعية تمثلت في قلة الأمطار وسوء الاستغلال البشري للموارد الطبيعية التي نجمت عن الرعي الجائر وقطع الأشجار وإزالة الغابات وانخفاض المياه الجوفية(10).

كل هذه العوامل انعكست سلباً على حياة الإنسان والحيوان والنبات على حد سواء، وفي هذه الظروف لم يجد السكان سوى النزوح والهجرة إلى حيث الماء والكلأ والضروريات الأخرى لتوفير أساسيات الحياة، وكان هذا سبباً في خلق التوترات بين النازحين والمستقرين.

4- صراع قبلي (عرب وزرقة)
بصفة عامة فإن جملة الصراعات في الإقليم قد تحولت الى صراعات قبلية، وأصبحت هنالك اتهامات متبادلة بين القبائل، فقد كانت حروب مجموعة القبائل العربية بولايات دارفور الثلاث في بادئ الأمر استجابة منها لدواعي الكوارث الطبيعية في هجراتها الأولى منذ العام 1980م ونتيجة لمشاكل الزراعة والمراعي والمسارات والحواكير غير أنهم وبعد هذا التاريخ قد أصبحت لهم استراتيجيات سياسية تنفذ بتكتيك مرحلي، فمن جانبها تجزم القبائل العربية في منطقة الجنينة بولاية غرب دارفور أن أفراد قبيلة المساليت يسعون جاهدين للقضاء على العناصر العربية المستقرة منذ قديم الزمان بحجة تحرير أرض المساليت ويزعم كثير من أهل دارفور بالأخص القبائل العربية أن الزغاوة يسعون جاهدين لخلق دولة تحت مسمى (دولة الزغاوة الكبرى) التي تمتد من تشاد إلى أواسط غرب السودان بمساعدة من تشاد وعقدت العديد من مؤتمرات الصلح لكنها فشلت(11).

5- النهب المسلح
تطور الصراع من صراع موارد وحياة إلى صراع نهب مسلح وتطور الأمر في الحالات الفردية إلى نهب القبائل ودخل في دائرة العمل والعمل المضاد وغالباً ما يصاحبه قتل الأفراد مما جعل المنطقة في صراع مسلح دائم(12)، والجدير بالذكر، أن بداية نشاط النهب المسلح كان في عام 1979م بقيادة مجموعة من الذين تلقوا تدريباً في الخارج بعد فشل حركة يوليو 1976م المسلحة ضد نظام نميري، كما أن الحكومة المركزية أسهمت في إزكاء هذه الظاهرة بضخ السلاح إلى دارفور من خلال تسليحها لبعض القبائل بهدف منع تغلغل متمردي حركة تحرير السودان التي كان زعيمها (قرنق) ولحماية السكان من النهب الذي يتعرضون له من وقت لآخر، وفي منتصف عام 1984م شهدت دارفور ارتفاعاً ملحوظاً في حوادث النهب المسلح نتيجة لامتداد موجات الجفاف والتصحر التي ضربت المنطقة(13).
"اعد انتشار السلاح على النهب المسلح، نسبة لنزوح بعض القوات التشادية عندما استولى الرئيس السابق حسين هبري على الحكم عام 1982م، فتسربت كميات كبيرة من الأسلحة إلى أيدي المواطنين"
كما ساعد انتشار السلاح على النهب المسلح، نسبة لنزوح بعض القوات التشادية عندما استولى الرئيس السابق حسين هبري على الحكم عام 1982م، فتسربت كميات كبيرة من الأسلحة إلى أيدي المواطنين عن طريق البيع أو الهبة أو الرهن (14).

6- غياب التنمية
إن ولايات دارفور رغم كثافة سكانها وكبر رقعتها الجغرافية ووفرة تنوع مواردها الطبيعية الواعدة ما زالت تعتبر من أكثر مناطق السودان تخلفاً، ففي هذا الشأن يعتقد المهتمون بقضايا دارفور أنها لم تنل حظها من التنمية إبان العهود الماضية خاصة ما قبل مايو 1969م لسببين رئيسيين أولهما أن أغلب الذين كانوا يمثلون دارفور في البرلمانات الأولى ممن عرفوا في الساحة السياسية (بالنواب المصدرين) الذين لم يتكبد أغلبهم مشقة زيارة دوائرهم الجغرافية التي فازوا بها إلا مرة واحدة، ما يعني عدم إلمامهم بالمشكلات الحقيقية لدوائرهم للمطالبة بها والدفاع عنها، ثانياً أن الأحزاب الكبرى التي كانت تشكل الحكومات في الماضي كانت تضمن الفوز في دوائر بعينها عبر كل البرلمانات لذلك سميت (بالدوائر المقفولة) آنذاك، وفي سبيل استقطاب أكبر عدد من النواب يمكنها من تشكيل الحكومة القادمة كانت حكومات الأحزاب تميل إلى توجيه خدمات التنمية لمناطق أخرى بعيدة عن هذه الدوائر المضمونة للحزب طمعاً في كسب أصوات الناخبين في أماكن أخرى، وهذا ما حرم معظم مناطق دارفور من حظها من التنمية ومن نصيبها العادل من قسمة الثروة، كما أنه في فترة الحكم الثنائي شهدت بعض المناطق شيئاً من التقدم الاقتصادي بينما لم تحظ المناطق الأخرى به(15).
أما في فترة حكومة مايو رغم تبشيرها بمحاربة العطش ومحاولات (الطيب المرضي) حاكم إقليم دارفور آنذاك لتجميل الولاية وإنارة بعض المدن في أعياد الثورة، ولكن لم يكن حظ دارفور من التنمية متكافئاً مع الكثافة السكانية وإمكاناتها الزاخرة.
وفي فترة الحكم الإقليمي رغم كبر الميزانيات والاعتمادات المالية التي تم التصديق بها لإقليم دارفور عند وضع الميزانيات، إلا أن ما نفذ منها عملياً في نهاية العام لا يساوي إلا النذر اليسير من الميزانيات المصدقة على الورق، وحتى هذه النسبة الضئيلة كانت تصرف على المرتبات والجهود الأمنية وتأمين الجبهة الفردية مما أصاب المنطقة بالركود الاقتصادي وانعدام التنمية(16).
وحتى قيام ثورة الإنقاذ رغم الجهود التي بذلت لانعقاد مؤتمرات الصلح القبلي لتأمين قدر من الاستقرار لانطلاق المجتمع نحو التنمية، إلا أنها لم تفلح في إيقاف نزيف الدم، واستمر توجيه الأموال وجل الموارد لاستتباب الأمن، مما حال دون إقامة مشاريع ملموسة، كما أن غياب البنيات الأساسية كالطرق ووسائل الاتصال في الماضي حال دون ربط أجزاء الولايات ببعضها البعض الدارفورية الثلاث، كذلك تفشي الأمية والتخلف وشح موارد المياه والتنافس عليها شكل بؤرة الحروبات المتكررة في دارفور(17).

7- دور الحكومات المتعاقبة في تعقيد المشكلة
يجمع الكثيرون على أن الحكومات المتعاقبة في الخرطوم لعبت دوراً أساسياً في تفجير أزمة دارفور، فبعد الاستقلال انكفأت الأحزاب التي شكلت قيادة الحكم على الصراعات الحزبية بين الأمة والاتحادي الديمقراطي كأوعية سياسية وطائفتي الختمية والأنصار كطوائف دينية، وأطراف أخرى من البلاد شهدت هي الأخرى قيام تنظيمات احتجاج سياسي على واقع الحال مثل اتحاد عام جبال النوبة في إقليم كردفان الذي رفع لواء التمثيل السياسي لأبناء المنطقة في البرلمان ومناهضة مصادرة الأحزاب السياسية لحقوق الأقاليم في ترشيح قيادات تلك الأحزاب في المحافظات الغائبة، كما نهض تنظيم آخر في الأنقسنا تحت مسمى اتحاد الفونج وانتهت الحقبة الديمقراطية الأولى بانقلاب الفريق عبود في أكتوبر 1964م، وإثر تفاقم الحرب في جنوب السودان وانسداد قنوات الحل السلمي ثارت في الخرطوم القوى السياسية ممثلة في حركة الأخوان المسلمين والحزب الشيوعي والنقابات لتعود الحقبة التعددية مرة أخرى، وهنا تنامت حركة الاحتجاج السياسي لدى جبهة نهضة دارفور، وقد احتكر عبد الله خليل بك حق الترشيح في دائرة أم كدادة بمدينة الفاشر وانحصرت مطالب جبهة نهضة دارفور في الآتي:"
الصراع الحقيقي بدأ عام 1983م بين الرعاة والمزارعين والتنافس حول الموارد الشحيحة والأرض الصالحة للزراعة، وكنتيجة لموجات الجفاف والتصحر التي ضربت منطقة الساحل الأفريقي منذ أواخر الستينيات
"

أ- تمثيل دارفور بنواب من المنطقة.
ب- التزام النواب بتحقيق التنمية في المنطقة.
ج- نشر التعليم وتوفير خدمات الصحة العلاجية.
د- إلغاء الضرائب والرسوم الجمركية.
ه- الولاء مقدم لدارفور على ما عدا ذلك من اعتبارات.
وفي تلك الفترة برز (إبراهيم دريج) كقيادي سياسي شاب في منطقة جبل مرة ودعا لاعتبار جبهة نهضة دارفور حزباً سياسياً ينضوي تحت سقفه كل الإقليم، واتخاذ موقف موحد من الأحزاب السياسية التقليدية، ووجدت هذه الدعوة مناهضة من قبل بعض قيادات الجبهة باعتبار الجبهة وعاءً مطلبياً يحقق أهدافه العليا من خلال تنفيذ قياداته ورموزه في الأحزاب السياسية(18)، والسعي لتحقيق أهداف الجبهة من خلال تلك الأحزاب، بيد أن حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي انتابتهما مخاوف من بروز جبهة نهضة دارفور وتصاعد المطالب التي رفعتها وانتهجت سياسة الاحتواء، ومن جراء الخلافات التي نشبت في أوساط الجبهة ضعف وجودها على أرض الواقع، وذلك بعد رفض معظم رموز الإدارة المحلية من القبائل العربية الانضمام لها.
وبحلول عام 1968م نشأ في مدينة نيالا تنظيم سري باسم حركة (سوني) التي قوامها المتقاعدون من القوات النظامية ووجدت الحركة دعماً من الحزب الشيوعي وانحصر تكوين الحركة وسط مجموعة قبائل الفور والمساليت والتنجر، وتمت ملاحقة قيادات تلك الحركة باعتبارها تنظيماً شبه عسكري يتخذ السرية منحىً في تعاطيه للشأن العام، وأصدر التنظيم السري بياناً في يناير 1969م جاء فيه (محافظات دارفور يقل حظها في التنمية بسبب سيطرة فئة الجلابة على الحياة الاقتصادية واستغلالهم لأهلنا البسطاء وتسخيرهم في الزراعة والعمالة الرخيصة مما جعل دارفور غير قادرة على المساهمة في تنمية قدرتها)، وتعتبر حركة تنظيم (سوني) أول حركة تدعو صراحة لحمل السلاح على غرار أنانيا بجنوب السودان وتأثرت هذه الحركة بأدبيات مقاومة المستعمر والاشتراكية الأفريقية(19)، ولكن معظم قيادات حركة (سوني) التحقت في وقت لاحق ببعض الأحزاب السياسية خاصة الشيوعي بينما بقي جزء منها مستقلاً بأطروحاته حتى انقلاب مايو في مايو 1969م، وصعد جعفر نميري للحكم، في حقبة مايو طرحت قضية الحكم في أضابير مجلس الشعب والاتحاد الاشتراكي وتم وضع دستور 1973م الذي أقر نظام الحكم اللامركزي في البلاد وتوسع الحكم النيابي، وفي حقبة المواجهة بين مايو والأحزاب السياسية ممثلة في الجبهة الوطنية، حلت الإدارة الأهلية بدعوى أنها آلية تقيد الإرادة الشعبية، إلا أن الأسباب الحقيقية لهذا الحل تمثلت في أن تلك الإدارات ظلت تمثل الثقل الجماهيري للأحزاب الطائفية المعارضة خاصة حزب الأمة والاتحادي الديمقراطي إذا ظل زعماء القبائل يحظون بالاحترام(20).
وكان غياب الإدارة الأهلية مدخلاً لبروز ظاهرة عدم الاستقرار والانفلات الأمني، وفي هذه الأثناء تم تجنيد عدد كبير من أبناء ولايات دارفور في جيش المعارضة خاصة أتباع جيش حزب الأمة، وعندما فشلت حركة يوليو 1976م كان عدد كبير من جنود الحركة المسلحة قد هرب من أم درمان إلى مناطق دارفور الشمالية دون عمل أو مهنة، وكان عدد العسكريين الذين تدربوا في ليبيا وكانوا ضمن الحركة المسلحة حوالى (700) جندي وتمثل تلك المجموعات أولى بروز نشأة عصابات النهب المسلح والسرقات المنظمة بدارفور، حيث يمثل الهجوم على سوق كودو في يناير 1979م بداية نشاط مجموعات النهب المسلح التي كانت تهدد طريق القوافل التجارية بين ليبيا والسودان(21).
"
السياسات غير المدروسة أدت إلى أن تنفرد دارفور بظاهرة الاضطراب الأمني ممثلة في حوادث النهب المسلح والصراع القبلي
"
وعندما تسلم الصادق المهدي رئاسة الوزراء عقب انتخابات عام 1986م وساد شعور وسط القبائل العربية المستوطنة والمهاجرة بدارفور بأن الحكومة المركزية السودانية صارت أقرب إليهم، زاد ذلك من نفورهم من الحكومة الإقليمية التي كان على رأسها أحد أبناء الإقليم من القبائل غير العربية ليتبنوا موقفاً عنصرياً أكثر تطرفاً، ولذلك سعوا نحو التأثير العروبي في عام 1987م إلى تحالف عربي عريض يشمل كل القبائل العربية بدارفور أطلقوا عليه اسم (التجمع العربي) ضم (27) قبيلة عربية رغم خلافاتها وحروبها فيما بينها أكثر ما كان غيرها من سكان الإقليم، وقد أصدروا بياناً عرف ببيان التجمع العربي أعلنوا فيه (أن نسبة العرب بين سكان دارفور تبلغ 40% ولذلك يجب أن ينالوا حقوقاً موازية في السلطة والثروة وطالبوا كذلك بتغيير اسم الإقليم (دارفور) لأنه حسب رأيهم ينضوي على مضامين عنصرية، علاوة على ذلك قامت حكومة الصادق المهدي إبان فترة الديمقراطية الثالثة، وفي محاولة لوقف تقدم قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة (جون قرنق) نحو دارفور بتسليح القبائل ذات الأصول العربية ليست في دارفور وحدها بل وفي كردفان أيضاً، وقد جاءت هذه الخطوة بنتائج وخيمة أدت إلى تفجير معارك ضارية بين القبائل العربية الدارفورية وقبيلة الدينكا الجنوبية.
لقد فشل حزب الأمة إبان نفوذه السياسي وهو في سدة الحكم في السودان في إدارة أزمة دارفور حيث كان له (34) نائباً برلمانياً في هذا الإقليم ورغم ذلك فشل عملياً في تقديم خدمات محسوسة)(22).
في حقبة الإنقاذ تم تطبيق النظام الفيدرالي في السودان 1991م بموجب المرسوم الدستوري الرابع، وفي عام 1993م أُلغي المرسوم الرابع وأصدر المرسوم الدستوري العاشر الذي أعاد تقسيم الولايات التسع إلى (26) ولاية كان نصيب دارفور ثلاث ولايات، كان يتوقع من الفيدرالية أن تحدث مشاركة سياسية واسعة، لكن تطبيقها بهذا الشكل لم يؤد إلى نقل السلطة إلى أطراف البلاد المختلفة، إنما أوجد مركزيات إقليمية خلقت صراعاً حول اختيار العواصم وإنشاء ولايات على أساس عرقي كمطلب أبناء الفور بإنشاء ولاية وسط دارفور وعاصمتها زالنجي، الأمر الذي يعني تعزيز سلطتهم(23)، إضافة إلى ذلك فإن الاختيار للوظائف الدستورية لا يقوم على الكفاءة بل على القبلية الأمر الذي أزكى الروح القبلية وأدى إلى الالتفاف حولها لأنها أصبحت السلم الذي يرتقي منه إلى أعلى المناصب في الولاية.
كل هذه السياسات غير المدروسة أدت إلى أن تنفرد دارفور بظاهرة الاضطراب الأمني ممثلة في حوادث النهب المسلح والصراع القبلي، الأمر الذي جعل كل أنشطة الدولة المركزية والولائية تنحصر وتتمحور في استتباب الأمن، إضافة إلى أن مسؤولية مكافحة الحروب القبلية ومهددات أمن المواطن تركت لحكومات الولايات التي تفتقر للأجهزة المختصة والاعتمادات المالية ومعينات العمل الأخرى الأكثر جدوى.
نتيجة لهذا الوضع تكون الحكومات المركزية المتعاقبة قد طرحت مسؤوليتها جانباً وألقت بها على حكومات الولايات وأجهزتها الأخرى بالمحافظات والمحليات، ورغم أن أموالاً طائلة قد أنفقتها حكومات الولاية في سبيل توفير الأمن لمواطنيها، إلا أنه لم يحدث تقدم في مكافحة تلك الظواهر بل إن الوضع الأمني ظل في تدهور إلى الأسوأ باستمرار(24). وفشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية مع عدم وجود أهداف وبرامج سياسية واضحة لدى المركز لاستيعاب هذا الجزء من الوطن، الأمر الذي جعل محاولات إيجاد حلول لهذه النزاعات أمراً مشلولاً وحصر الحلول في مجالس الديات والتعويضات فإن مسألة الحلول لا تعدو أن تكون مناورات سياسية حول اقتسام الثروة والسلطة السياسية في الإقليم تبعاً لأبعاد جهوية، الأمر الذي عجل من بروز حركات تمرد مسلحة كحركة (داؤود بولاد) 1991م وغيرها من الحركات الأخرى وهي تنادي جميعاً في أجندتها وتتدثر بقسمة عادلة للموارد بين مكونات دارفور من ناحية وبين دارفور والمركز من ناحية أخرى، ما أخرج القضية إلى دائرة أكبر متعددة الأبعاد ودخل فيها البعد السياسي وتمرد على السلطة المركزية(25).
كل هذه العوامل والمعضلات مجتمعة أدت إلى خلق حالة من التوتر والصراع بين المجموعات القبلية المختلفة في الإقليم، كما أن مناخ التنافس والنزاع في دارفور جعل الإقليم سوقاً رائجة لتجارة الأسلحة وانتشار ثقافة الحرب.
قائمة المراجع:
1. المرجع السابق، ص49.
2. شمس الهدى إدريس، دارفور المؤامرة الكبرى، شركة مطابع العملة المحدودة، الخرطوم- أغسطس 2006م، ص14.
3. المرجع السابق، ص14.
4. المرجع السابق، ص35.
5. أحمد آدم بوش، جدلية العلاقة بين العوامل البيئية والنزاعات في دارفور، مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، نوفمبر/ ديسمبر 2003م، ص21.
6. شمس الهدى إبراهيم، المرجع السابق، ص35.
7. يوسف تكنة، الحكم القبلي بدارفور، نيالا، ديسمبر 1997م.
8. محمد أحمد نور علي، الصراعات القبلية في دارفور، مرجع سابق، ص131.
9. شمو إبراهيم شمو، دارفور تقاطعات الثقافة والسياسة، مجلة كرامة، اتحاد الكتاب السودانيين، العدد الأول، سبتمبر 2007م، ص47.
10. مؤتمر الأمن والتنمية بكرنوي، شمال دارفور، كتم الإدارة الأهلية، 1991م.
11. شمس الهدى إبراهيم، المرجع السابق، ص37.
12. علي أحمد حقار، البعد السياسي للصراع القبلي في دارفور، شركة مطابع السودان للعملة، الخرطوم، 2003م، ص45.
13. ملف مؤتمر لجان الأمن والإدارة المحلية عن النهب المسلح، الفاشر، 1986م.
14. حاتم إبراهيم علي دينار، حريق دارفور قضية الصراع الأهلي والسياسي، سلسلة الكتاب الدوري، هيئة الخرطوم الجديدة للصحافة والنشر، الطبعة الثانية 2006م، ص44.
15. تيم لينوك، صراع السلطة والثروة في السودان منذ الاستقلال وحتى الانتفاضة، ترجمة الفاتح التحابي، محمد علي، بدون دار نشر، 1990م، ص59.
16. التجاني مصطفى، أسباب الصراعات القبلية في دارفور وأسباب فشل مؤتمرات الصلح، بدون دار نشر، 1990م، ص97.
17. آدم الزين، النزاعات القبلية في السودان، مرجع سابق، ص130.
18. محمود خالد الحاج وآخرون، دارفور الحقيقة الغائبة، مرجع سابق، ص65.
19. المرجع السابق، ص66.
20. محمود خالد الحاج وآخرون، دارفور الحقيقة الغائبة، مرجع سابق، ص69.
21. المرجع السابق، ص70.
22. إبراهيم علي دينار، مرجع سابق، ص55.
23. منى طه أيوب، الدوافع السياسية للصراع في دارفور، مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، الملف الدوري، نوفمبر/ ديسمبر 2003م، ص14.
24. منى طه أيوب، المرجع السابق، ص15.
25. أحمد آدم بوش، جدلية العلاقة بين العوامل البيئية والنزاعات في دارفور، مركز دراسات الشرق الأوسط وأفريقيا، الملف الدوري، نوفمبر/ ديسمبر 2003م، ص24.

ثانياً: أسباب تطور الأزمة 2
1- تصاعد الصراعات القبلية
في بداية العام 2002م، تصاعدت مظاهر الصراع بين الفور والمحاميد في منطقة جبل مرة، وظهرت حالات نهب متبادلة بين الطرفين وتطورت إلى تعدٍ على القرى ومسارات الرعي، مما مهد لتكوين مليشيات مسلحة، أما الاستقطاب فقد بدأ تحت دعاوى المدافعة والحماية وانتظمت المجموعات المسلحة من الفور في مجموعات، وظهرت هنا فكرة المعسكرات وتدريب أفرادها عسكرياً لتقوية فرسانها، بالمقابل سعت القبائل الرعوية في منطقة جبل مرة لتأمين نفسها وثرواتها بالتسلح، وفي منتصف 2002م تصاعدت حدة المواجهات بين الفور وثلاثة من القبائل الرعوية (العربية) بمنطقة جبل مرة، مما أدى إلى حرق القرى ونهب المواشي وقتل الزعامات والقيادات والتصدي للقوات النظامية التي تسعى لاحتواء الموقف وتدعيم الأمن والاستقرار.
تصاعدت الصراعات وبدأ التمرد يلوح في الأفق عندما رفض أبناء الزغاوة مقررات صلح مع فرع أولاد يزيد من قبيلة يزيد بسبب التلاعب في أموال الديات، ونتيجة لذلك اختطفت مجموعة أفراد قبيلة الزغاوة عمدة القبيلة ولجأت به إلى جبل مرة بعد نهب العربات والأموال والأسلحة ومن هنا أعلنت انضمامها لمليشيات الفور (تمرد دار قلا)(1).
التاسع من يوليو 2002م، كان بداية الضربة للحركات المسلحة ممثلة في أحداث (قولو) حاضرة محافظة جبل مرة، فقد هاجم مسلحون من أبناء الزغاوة والمليشيات نقطة المدينة ومكتب الأمن ومنزل المحافظ، وكانت هذه العملية في إطار إعلان العداء ضد الدولة وبداية عمل المجموعات المسلحة حيث ترك الجناة ورقة بخط اليد يعلنون فيها أنهم جيش تحرير دارفور. والجدير بالذكر أنه قبل تفاقم المشكلة في الفترة من 16/8/2002م وإلى أبريل 2004م نظمت الحكومة عدة مؤتمرات قبلية وأرسلت وفداً يضم ثلاثين شخصاً من أبناء دارفور للتفاوض مع المعارضة المسلحة وتوصلوا إلى اتفاق لتسوية القضية قبل بضعة أيام من الهجوم على الفاشر في أبريل 2003م، على أيدي حركة تحرير السودان(2)، وكان ذلك أول عمل مسلح مرتب ومنظم من قبل مسلحي دارفور ضد الحكومة حيث أحرقوا المطار وأسفر الهجوم عن قتل عدد من الموظفين وحرق طائرات وتم أسر قائد المنطقة (3).
ونشأت هذه الحركة في فبراير 2003م تحت (مسمى حركة تحرير دارفور) وركزت على اتهام الحكومة السودانية بتهميش التنمية في المنطقة وحرمانها من الخدمات الأساسية ومن ثرواتها وطالبت بحق تقرير المصير عبر استفتاء حر مباشر، وقد زادت الحركة من عملياتها الحربية وهجومها على مطار الفاشر لاحتلاله واتخاذ مواقع قوة خشية أن تتمكن الحكومة من نقل جيشها من الحاميات الجنوبية إلى الغرب وإنهاء قوات الحركة التي تنادي بالفصل التام بين الدين والدولة وبحق تقرير المصير لدارفور(4).
وتشكلت حركة تحرير السودان من قبائل الزغاوة والفور والمساليت والبرتي ومن بعض القبائل الأفريقية الأقل حجماً وتزعَّم هذه الحركة المحامي عبد الواحد محمد نور من قبائل الفور وانحصرت مطالبها في البداية في وقف المليشيات العربية المسلحة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والمشاركة في السلطة، وعندما رفضت الحكومة التفاوض تحولت إلى حركة عسكرية واسعة.
وفي نفس العام تشكلت حركة العدل والمساواة القطب الثاني للتمرد في دارفور بعد حركة تحرير السودان، ويتزعمها خليل إبراهيم من قبيلة الزغاوة وتتميز هذه الحركة بقوة أجندتها السياسية التي تفوق عملها العسكري، وتهدف إلى سودان موحد في إطار الفيدرالية، وأن تقسيم السودان الى سبعة أقاليم فيدرالية وهي الشمال والجنوب وكردفان ودارفور والشرق والوسط والخرطوم، وتطالب بمجلس شيوخ إلى جانب مجلس نواب ليؤدي إلى توازن السلطة التشريعية (5).
"
اشترط المتمردون على مبعوثي التفاوض معهم من الملتقى التشاوري لوقف تمردهم أن تمنحهم الحكومة حق تقرير المصير وأن تخصص 80% من عائدات البترول السوداني لدارفور
"
وقد سعت الحكومة السودانية لاحتواء الانفلات الأمني المتزايد في دارفور وقامت بإرسال عدد من المسؤولين أبرزهم اللواء الركن الطيب إبراهيم محمد خير الذي قام بتنظيم ملتقى تشاوري جمع له قيادات القبائل المتصارعة والمسؤولين بولايات دارفور الثلاث، وشارك فيه خمسمائة من قيادات دارفور من الفور والزغاوة والعرب والقبائل كافة من مناطق الصراع لاحتواء الأزمة، واختتم الملتقى في 26 فبراير 2003م بعدد من القرارات وهي رفضه الخروج على سلطات الدولة أو استهداف أجهزتها، كما أدان أعمال التقتيل والترويع للمواطنين وأوجب على الدولة التصدي لذلك، وأبقى الملتقى اتباع الخيار العسكري وإن ظل وارداً إذا تعذر الحل السياسي، ودعا إلى إنشاء مفوضية للتنمية وإلى مزيد من التأهيل للأجهزة القومية(6)، لكن زعماء المجموعة المسلحة في جبل مرة اشترطوا على مبعوثي التفاوض معهم من الملتقى التشاوري لوقف تمردهم أن تمنحهم الحكومة حق تقرير المصير وأن تخصص 80% من عائدات البترول السوداني لدارفور، وكان رد الحكومة على لسان المتحدث باسم آلية معالجة الأوضاع في دارفور، والي جنوب دارفور أن المطالب تعجيزية وأن المسلحين في جبل مرة (منطقة الفور) وفي منطقة كرنوي (منطقة الزغاوة) يعملون متضامنين وأن ذلك تبين في المطالب التي حملها المفاوضون لآلية معالجة الأوضاع في دارفور، وفي نفس اليوم هاجم مسلحو كرنوي منطقة الطينة الحدودية مع تشاد وقتلوا أربعة أشخاص ونهبوا ممتلكات وقالوا إنهم قتلوا (56) من القوات المسلحة السودانية وأنهم استولوا على منطقة الطينة الاستراتيجية الأمر الذي دفع الحكومة إلى إعلان رفع حالة التأهب القصوى بدرافور(7). واقترحت الحكومة آلية مشتركة بينها وبين الأمم المتحدة لمتابعة خطة عمل دارفور مقرها وزارة الخارجية السودانية برئاسة وزير الخارجية مصطفى عثمان إسماعيل من جانب الحكومة ويان برونك مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة لمتابعة الأوضاع بدارفور، ووافقت بأن تكون مرجعية عمل اللجنة قرارات مجلس الأمن والواجبات التي كلفت بها الحكومة (8).
وفي الخامس من يناير 2004م، وقع هجوم من قبل الجماعات المسلحة على شعيرية بولاية جنوب دارفور استهدف المواقع الحكومية وسوق المدينة، وكان من بين القتلى مدير شرطة محلية المنطقة (9).
وقام رئيس الجمهورية بموجب القرار رقم (97) لسنة 2004م بتشكيل لجنة تقصي الحقائق حول الادعاءات بانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بواسطة المجموعة المسلحة بدارفور، وقد حدد تشكيل اللجنة واختصاصاتها وسلطاتها على أن تمارس عملها بموجب قانون لجان التحقيق لعام 1954م(10).
وبدأت اللجنة أعمالها وزارت ولايات دارفور الثلاث عدة مرات، واجتمعت بالسلطات الولائية والمحلية والإدارات الأهلية ومنظمات المجتمع المدني والمنظمات العاملة في مجال الإغاثة المحلية والأجنبية العاملة بولايات دارفور، واطلعت اللجنة على التقارير التي أعدتها كل البعثات التي زارت السودان والتي تمثل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والمؤتمر الإسلامي والجامعة العربية وغيرها من المنظمات، إلا أنها لم تستطع الحصول على جميع المعلومات المتعلقة بخسائر المواطنين لعدم تمكنها من الاجتماع بالمعارضة المسلحة، كما لم يتيسر لها زيارة معسكرات اللاجئين في تشاد، والحكومة قد استفادت من الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السابق كولن باول للوقوف على ما يدور على الأرض لخلق أرضية مشتركة للتفاهم والحوار لتغيير الفهم الأميركي لبعض القضايا الشائكة وبالفعل لقد خففت الزيارة بعض الشيء من حدة التصريحات الأميركية، وقد تداركت الحكومة الهجمة الإعلامية المكثفة والضغوط السياسية والدبلوماسية بوضع خطة للتعامل مع الأوضاع في دارفور خشية أن تؤدي تلك الضغوط إلى توطين النزاع وترسيخ دعاوى المعاناة الإنسانية، فعمدت الحكومة على نزع فتائل التوترات القبلية عبر تفعيل آليات التصالح ومباشرة سلاح السلم الاجتماعي بدارفور والتواصل مع عدد القيادات السياسية من أبناء دارفور بالخارج وقبول الرقابة الدولية المحدودة وإسقاط ذرائع المتمردين والضغط لنزع السلاح من كافة الفصائل المتحاربة في دارفور واقتصاره على القوات المسلحة والشرطة فقط(11).
وأعلنت الحكومة السودانية في 27 أبريل 2005م عن إجراءات وسياسات جديدة لتسهيل العمل الإنساني في إقليم دارفور تتضمن عدداً كبير من التسهيلات للمنظمات الإنسانية من بينها الإعفاء عن أي رسوم في كل مستورداتها وتسهيل الإجراءات الجمركية المختلفة في فترة أقصاها 72 ساعة، وأيضاً السماح لموظفي المنظمات بالتحرك في مختلف أنحاء السودان بدون إذن تحرك مسبق(12).
وقد بذلت الحكومة السودانية جهوداً متواصلة لمواجهة الموقف في دارفور تمثلت في:
1- خطاب رئيس الجمهورية بتاريخ 18 يونيو 2004م الذي طرح فيه الإعلان السياسي لترتيب الأوضاع وتحقيق الاستقرار في دارفور حيث احتوى على: أ- إعلان تعبئة الأجهزة كافة لترسيخ الأمن والاستقرار بضبط ومطاردة كل المجموعات المنفلتة من تمرد وجنجويد وتورابورا وباشمرقة وتجريد المارقين من السلاح وتقديمهم للعدالة.
ب- إنشاء النيابات والمحاكم لمعاقبة عصابات النهب والمجرمين.
ج- نشر قوات الشرطة لحماية المحليات وتأمين عودة المواطنين لقراهم.
د- توفير احتياجات إنجاح الموسم الزراعي.
ه- تنفيذ التنمية العاجلة والخدمات الضرورية.
و- الدعم لنفرة شاملة تعنى بالشؤون الإنسانية لإعادة النازحين وتوفير المأوى والطعام والكساء والدواء.
ز- الدعوة للمؤتمر الجامع بدارفور.
"
جهود الحكومة لاحتواء الأزمة لم تثمر، بسبب تصعيد كل من الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الشعبي لهذه الأحداث
"
2- إرسال (8,000) شرطي و(100) عربة لاندركروزر إلى دارفور والاستمرار في المزيد حتى يبلغ العدد (20,000 ) شرطي، وذلك لتوفير الأمن للمواطنين وحماية العودة الطوعية للنازحين إلى قراهم بالإضافة إلى (40,000) شرطي بالمنطقة.
3- تكوين لجنة لتقصي الحقائق حول انتهاكات حقوق الإنسان في دارفور وذهابها في مهمات استقصائية وتلقيها الشكاوى واتصالها بالنازحين والمنظمات الطوعية والمسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين والشرطة والنيابة.
4- إلقاء القبض بصورة متواصلة على الجنجويد والأفراد الخارجين عن القانون وتقديمهم للمحاكمات حيث ظلت تصدر بصورة مستمرة أحكام ضدهم من المحاكم بالولاية كما ذكرت الحكومة السودانية.
5- تقديم الدعم للنازحين والمتضررين واستقطاب الدعم المحلي والخارجي والإغاثات والمساعدات من مواد الإغاثة على حسب الدولة.
6- تسهيل حركة الأجانب العاملين بالمنظمات بأجهزة الاتصال بدارفور ومنح الإعفاءات الجمركية اللازمة لتسهيل عملية وصول الصحافيين الأجانب وأجهزة الإعلام الأجنبية.
7- تسهيل عملية وصول الصحافيين الأجانب وأجهزة الإعلام الأجنبية.
8- الاهتمام بمشروعات التنمية بالولاية وتوفير احتياجاتها.
9- الدعوة للحل السلمي وحسن النوايا والجلوس مع المتمردين والتفاوض بجدية من أجل إيجاد الحلول الجذرية اللازمة في دارفور.
ورغم بذل الحكومة كل هذه الجهود لاحتواء الأزمة، إلا أن هذه الجهود لم تثمر عن تحقيق نجاح يذكر بسبب تصعيد كل من الحركة الشعبية وحزب المؤتمر الشعبي لهذه الأحداث، حيث توجد العديد من الدلائل التي تشير إلى أن حركة العدل والمساواة ليست إلا جناحاً منبثقاً عن المؤتمر الشعبي، ويصفها البعض بأنها بمثابة الذراع العسكري للمؤتمر الشعبي، خاصة بعد التأييد الذي لقيته المطالب السياسية لهذه الحركة من الدكتور الترابي رئيس المؤتمر الشعبي(13).

2- تدويل الأزمة
(أ) دور الأمم المتحدة
بدأ الاهتمام بدارفور في بداية العام 2004م بعد أن بدأت بعض الدول تطالب الحكومة السودانية بحماية العاملين في المجالات الإنسانية، وبدأت دائرة الانتقادات للحكومة في الاتساع بعد أن أعلن رئيس المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في مارس 2004م عن فظائع ترتكب في إقليم دارفور، وطالب الحكومة بأن تبدأ الحوار مع الثوار في دارفور وإيقاف المليشيات المسلحة التابعة للحكومة والتي أرهبت الأهالي.
وفي 20 مارس 2004م، صرح موكيت كابيلا منسق الأمم المتحدة الخاص بالسودان، بأن منطقة دارفور تمر بأسوأ أزمة إنسانية في العالم، وأن أكثر من مليون شخص يتعرضون لتطهير عرقي، وأن منظمات الإغاثة تجد صعوبة في الوصول للمتضررين وهو التصريح الذي اعتمد عليه الكونغرس فيما بعد للتعامل مع الأزمة(14).
قرارات مجلس الأمن:
وتتشكل الأطراف الدولية المعنية بمشكلة دارفور من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي ومنظمة الأمم المتحدة ووكالات المجتمع الدولي المتخصصة والتي ضغطت جميعها على الحكومة السودانية بإيجاد حلٍّ سريع للأزمة ومن أبرز هذه الضغوط:
قرارات مجلس الأمن: ففي 27 مايو أصدر مجلس الأمن بياناً يدعو حكومة الخرطوم كي تتحمل مسؤولياتها وأن تنزع سلاح الجنجويد وبقية الجماعات المسلحة، وفي يوليو 2004م تبنى الكونغرس قراراً بالإجماع يعلن فيه أن الفظائع التي ترتكب في دارفور تمثل إبادة جماعية ودعا القرار البيت الأبيض إلى تدخل أحادي أو متعدد الأطراف لوقف العنف هناك.
كما رفض وزير الخارجية الأميركي شكوى السودان بأن الولايات المتحدة تتدخل في شؤونه وتزايد حدة الموقف عندما أعلنت بريطانيا أن هنالك حوالى (5,000) جندي بريطاني على استعداد للتوجه إلى دارفور للمساعدة في وقف الانتهاكات، الأمر الذي أدى لازدياد حدة الموقف في المنطقة(15).
وبعد عدة مشاورات واتصالات صدر قرار مجلس الأمن رقم (1556) في 30 يونيو 2004م، ووجه إلى الحكومة تحذيراً بإنهاء العنف وتم منح الحكومة (30) يوماً للتنفيذ وإلا أنها ستواجه عقوبات اقتصادية ودبلوماسية، وبالرغم أن بعض الدول قد أبدت تحفظها على القرار وأدخلت عليه بعض التعديلات، إلا أن النص لم يختلف كثيراً عن النص الأصلي الذي قدمته الولايات المتحدة(16).
إن القرار (1556) وضع الحكومة السودانية تحت الرقابة الدولية وألزم يان برونك ممثل الأمين العام في السودان على تقديم تقرير كل ثلاثين يوماً للسكرتير العام للأمم المتحدة يوضح فيه مدى التقدم الذي يحدث في دارفور، وهذا يعني أن تكون هناك مناسبات متكررة يمكن أن تتخذ كذرائع للتدخل في الشأن السوداني وهو ما حدث بالفعل عندما قدم ممثل الأمين العام للأمم المتحدة تقديره عن الموقف في نهاية 2004م وبالرغم من إشادته لحدوث تقدم في الأوضاع الأمنية، إلا أن الولايات المتحدة قدمت مشروع قرار جديد لمجلس الأمن أشارت في مسودته الأولى إلى فرض حظر على صادرات السودان من النفط وفرض حظر طيران على إقليم دارفور المهمة التي ارتكزت عليها الحملة الدولية بشأن دارفور وأدت لإصدار قرار مجلس الأمن وتدويل المشكلة(17).
خلال الفترة من 24 إلى 30 مارس 2005م أصدر مجلس الأمن الدولي حزمة من القرارات تجاه السودان وكان أولها قرار رقم (1590) والذي يتعلق بإرسال (10,000) جندي لحفظ السلام في جنوب السودان، وفي أعقاب ذلك القرار أصدر مجلس الأمن قرارين آخرين هما (1591) و(1593)، الأمر الذي أحدث تعقيداً كبيراً في الأزمة، فقط خصص القرار (1591) لفرض عقوبات على مرتكبي الجرائم في دارفور من خلال منعهم من السفر أو التنقل وحجز أرصدتهم وودائعهم المالية، إلا أن الخطورة تكمن في عدم نقل أي أسلحة أو معدات إلى الإقليم إلا بعد موافقة بعثة الأمم المتحدة، وكذلك بحظر الطيران العسكري فوق الإقليم(18). وكل هذا يعني الإنقاص من سيادة الدولة السودانية.
أما القرار (1593) فهو يختص بإحالة المتهمين بارتكاب الجرائم في دارفور إلى المحكمة الجنائية في لاهاي، وقد أدى هذا القرار إلى وضع حكومة الإنقاذ في موقف صعب وتم تدويل الشأن السوداني بالكامل وأصبح النظام الحاكم في السودان منكشفاً في الداخل والخارج ولا شك أن نظام الانقاذ يتحمل العبء الأكبر في تدهور الأوضاع(19).
أما الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان فقد وصف ما يحدث في دارفور بأنه الأزمة الإنسانية الأكثر خطورة التي يمر بها العالم وشبهها بأزمة رواندا التي حدثت عام 1994م، وذكر أنه من بين عشرين صراعاً في أنحاء العالم أن أسوأ وضع هو دارفور منذ اندلاع النزاع فيها في مطلع 2003م(20).
(ب) دور الولايات المتحدة وإسرائيل
"
كان الكونغرس الأمريكي الذي استخدم مصطلح الإبادة الجماعية في دارفور، وكانت إسرائيل من أكثر الدول التي ساهمت في تعقيد الأزمة
"
عبرت كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي عن قلقهما إزاء المعلومات التي تشير إلى انتهاكات ضخمة لحقوق الإنسان في دارفور وعبرت الولايات المتحدة عن عدم رضائها عن الآليات الذي تتعامل به الأمم المتحدة مع الحكومة السودانية ولم تخف استياءها من التقرير الذي قدمه مبعوث الأمم المتحدة يان برونك إلى مجلس الأمن الذي طالب فيه الحكومة السودانية بالسماح بنشر أكثر من ثلاثة آلاف جندي من القوات الدولية في دارفور دون أن يربط بين مواصلة ما سميت مليشيات الجنجويد لعمليات العنف وبين دعم الحكومة السودانية لها(21).
وكان الكونغرس الأميركي، هو الطرف الوحيد الذي ذهب إلى أبعد من ذلك مستخدماً مصطلح الإبادة الجماعية، فقد عقدت المجموعة السوداء في مجلس النواب الأميركي مؤتمراً صحفياً بواشنطن 23 يوليو 2004م، تحدثت فيه زعيمة الأقلية في المجلس نانسي بيلوس وآخرون معها وطلبوا من وزير الخارجية السابق كولن باول التدخل الفوري في السودان، وأعلنوا دعمهم لعريضة أطلقتها منظمة (أفركا أكشن) ودعت المجموعة باول إلى استخدام كلمة إبادة جماعية في وصف ما يحدث في دارفور، وحرض النائب دونالد على محاسبة الحكومة السودانية لإدعائه أنها تشن حملة تطهير عرقي في غرب السودان وتسببت في موت أشخاص قد يصل عددهم إلى المليون(22).
والجدير بالذكر، أن من أهم الدول التي أسهمت في تعقيد الأزمة، إسرائيل، ويرى المراقبون أن إسرائيل اتجهت إلى غرب السودان بعد أن انتهت مشكلة الجنوب بتوقيع اتفاقية السلام في نيفاشا في يناير 2005م في الوقت الذي كانت تقوم فيه سياسات إسرائيل في السودان على أساس العمل لاسقاط الحكومة وتغيير نظام الإنقاذ، وهذا ما كشفه بنيامين نتنياهو لحزب الليكود أمام الكونغرس الأمريكي عام 2002م حيث طالب الحكومة الأميركية بالعمل على اسقاط أنظمة الشرق الأوسط ومن بينها السودان، فدعمت موقف تمرد دارفور حيث كان لها دور بارز في الأزمة، كما استفادت من تداعيات الصراع فاتصلت بحركة تمرد دارفور، ورتبت أريتريا لقاءات بين الحركة وإسرائيل مما سبب بعض الانشقاقات في الحركة، واعتبر البعض أن دعم إسرائيل للحركة يعتبر فضيحة والاستعانة بإسرائيل أمر مرفوض(23).
سعت إسرائيل لدعم حركة تمرد دارفور فأعدت وأسهمت في وضع خطة سياسية لتحالف المعارضة في دارفور تمت صياغتها في وزارة الخارجية الإسرائيلية ونقلت إلى الولايات المتحدة لاقناعها بمساعدة حركات التمرد في دارفور، ولما كانت الخطة تحتاج إلى المال لتنفيذها وجهت إسرائيل لجمع التبرعات من قبل الجماعات الصهيونية الأميركية لصالح التمرد(24) وظلت الجماعات اليهودية تمارس دورها في التحريض للتدخل في دارفور من أجل الضغط على الحكومة السودانية بحجة الوضع الإنساني المتدهور هنالك، بل طالبت مجلس الأمن والأمم المتحدة بضرورة التدخل العسكري لإنقاذ الأفارقة المتضررين من الظلم العربي والمسلم المنظم الذي تقوده الحكومة العربية الإسلامية في الخرطوم ومليشيات الجنجويد التابعة لها، ودعمت إسرائيل التمرد في دارفور عن طريق أريتريا وهو ما تمخض عنه اجتماع التحالف الفيدرالي السوداني المعارض مع مسؤولين إسرائيليين في السفارة الإسرائيلية في كينيا(25).
ومن الواضح أن مشكلة دارفور مهدت الطريق للقوى الأجنبية خاصة الولايات المتحدة والأمم المتحدة وإسرائيل للتدخل بذرائع معينة، قد وجدت أميركا المناخ المناسب لتدويل النزاع في دارفور بتفسيرات تتفق مع أطماعها التوسيعية والمصلحية في المنطقة والهادفة إلى تحقيق النجاح لاستراتيجيتها الرامية إلى إعادة رسم خريطة أفريقيا وتطويق العرب حسب رأي بعض الكتاب والباحثين المهتمين بمشكلة دارفور والمراقبين لتطور الأوضاع.
(ج) دور منظمات المجتمع المدني
ومن أهم الأطراف التي أسهمت في إزكاء جذوة الأزمة بعض المنظمات الدولية والتي بدلاً من أن تسهم في إيجاد صيغة سلمية للحل تقوم بدق طبول الحرب وتسهم في تأجيج هذه الصراعات، ومن أهم هذه المنظمات منظمة الهيومن رايتس وتش (HRW) والتي ذكرت أن القوات الحكومية والمليشيات العربية مسؤولة عن قتل (136) من الأفارقة خلال شهر مارس 2004م، وأن القوات الحكومية تعمل جنباً إلى جنب مع المليشيات العربية، وهذا ما ظلت تردده بعض المنظمات ووسائل الإعلام الغربية، فقد نشرت صحيفة الاندبندنت البريطانية في 15/8/2004م، أن الحكومة تقوم بتدريب المليشيات العربية (الجنجويد) في معسكرات خاصة، تمهيداً لضمها للقوات الأمنية الحكومية. وأصدرت المنظمة الأميركية غير الحكومية المعنية بحقوق الإنسان في 7 مايو تقريراً تحت عنوان (التطهير العرقي من قبل قوات الحكومة والمليشيات في غرب السودان)، وقد قضت المنظمة مدة خمسة وعشرين يوماً في غرب دارفور والمنطقة المجاورة لها، قامت خلالها بتوثيق ما تدعيه بأنها انتهاكات لحقوق الإنسان في المناطق الريفية (26).
" أسهمت من منظمة أطباء بلا حدود في تأجيج الصراع حين حذرت من أن سكان دارفور يتعرضون لخطر مجاعة كبرى"
وأيضاً أصدرت منظمة العفو الدولية تقريراً في التاسع عشر من يوليو بعنوان: (دارفور: الاغتصاب كسلاح في الحرب).
وقد كشفت المنظمة الأميركية لحقوق الإنسان في العشرين من يوليو عن أنها حصلت على وثائق سرية من الإدارة المدنية في دارفور تثبت تورط مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة السودانية في سياسة دعم المليشيات (الجنجويد)، وذهبت المنظمة إلى القول بأن الحكومة السودانية والمليشيات المدعومة منها مسؤولة عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وتطهير عرقي شملت هجمات جوية وبرية على المدنيين من المجموعات الإثنية التي ينتمي إليها أعضاء مجموعتي التمرد في دارفور السودانية وأنه تم قتل واغتصاب مئات النساء وتم تشريد أكثر من مليون شخص من بيوتهم ومزارعهم بالقوة(27).
ومن المنظمات التي أسهمت في تأجيج الصراع أيضاً منظمة أطباء بلا حدود والتي حذرت من أن سكان دارفور وعددهم ستة ملايين يتعرضون لخطر مجاعة كبرى على لسان زعيمة المنظمة التي وصفت الوضع في دارفور بأنه مأساوي للغاية وخاصة بالنسبة للأطفال وهو نفس التصريح الذي أدلت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي ذكر رئيسها أنه بالرغم من أن المنظمات باتت تصل بسهولة إلى دارفور إلا أن الوضع الإنساني لا يزال صعباً وخطيراً للغاية. وقالت المنظمة العالمية لمكافحة التعذيب أنها تلقت تقارير تفيد بأن الجيش السوداني وزعماء المليشيات ذات الأصول العربية اعتقلوا وأعدموا (186) شخصاً من قبيلة الفور، وهذا أيضاً ما صرحت به وكالة رويترز العالمية للأنباء(28).
مما لا شك فيه أن الثروات الطبيعية التي في إقليم دارفور مطمعاً للقوى الدولية الكبرى خاصة الثروة النفطية، فقد أجريت في جامعة برلين أبحاث جيولوجية عن الجزء الشمالي الغربي في السودان، وقد أكدت هذه الأبحاث أنها تحمل في باطنها واحدة من أفضل المناطق البكر في العالم المحملة بالبترول المرتفع الجودة.
قائمة المراجع:
1. علي أحمد حقار، البعد السياسي للصراع القبلي في دارفور، مرجع سابق، ص45.
2. المرجع السابق، ص46.
3. صلاح الدين عبد الرحمن الدومة، أثر مشكلة دارفور على علاقات السودان الخارجية، جي تاون، الخرطوم، 2006م، ص66.
4. عماد أحمد سيد أحمد، أمركة أفريقيا: دارفور فقاعة على ثقب إبرة، الخرطوم، دار سوار للطباعة والنشر، يناير2005م، ص52.
5. خليل إبراهيم، الحياة، 3/6/2004م.
6. عماد أحمد سيد أحمد، أمركة أفريقيا: دارفور فقاعة على ثقب إبرة، مرجع سابق، ص142.
7. المرجع السابق، ص46.
8. سونا: نشرة خاصة عن دارفور، 29/6/2004م.
9. شمس الهدى إبراهيم، دارفور المؤامرة الكبرى، مرجع سابق، ص66.
10. عماد أحمد سيد أحمد، مرجع سابق، ص152.
11. عماد أحمد سيد أحمد، مرجع سابق، ص153.
12. وكالة الأنباء الكويتية، الخرطوم أطلقت من إجراءات جديدة لتسهيل العمل الإنساني بدارفور، العدد (169)، 27 أبريل 2005م.
13. هاني رسلان، أزمة دارفور وجهود التسوية بين تعدد الأدوار الفاعلة، القاهرة، سلسلة كراسات استراتيجية صادرة عن مركز الإهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية، العدد (157)، 2005م.
14. الرشيد خضر، لجنة تقصي الحقائق حول الانتهاكات لحقوق الإنسان في دارفور، الخرطوم- القناة للطباعة والتجارة المحدودة، إدارة النشر والإنتاج الإعلامي، 2005م، ص5.
15. تقرير الأمم المتحدة بعنوان، قرارات مجلس الأمن– 83 – 2004م.
16. محمد منشاوي، الشرق الأوسط تتحصل علو نص مشروع القرار الأميركي الجديد إلى مجلس الأمن حول دارفور، الشرق الأوسط، 10/9/2004م.
17. تقرير الأمم المتحدة بعنوان، قرارات مجلس الأمن– 83 – 2004م.
18. تقرير الأمم المتحدة بعنوان، مرجع سابق.
19. الشرق الأوسط، العدد (231)، 7 يونيو 2005م.
20. البيان الإماراتية، العدد (115)، 4/1/2005م.
21. عماد عواد، أزمة دارفور: تعدد الأبعاد وتنوع الاشكاليات، المستقبل العربي، العدد (312)، مركز دراسات الوحدة العربية، 2004م، ص57.
22. الحياة، 10/9/2004م.
23. شمس الهادي إبراهيم، التدخل الإسرائيلي في السودان: كيف ولماذا؟، الخرطوم، إسراء للطباعة، 2005م، ص39.
24. محمد المجال وفارس العجمي، تطور الاستراتيجية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بدون دار نشر، د.ت.
25. المرجع السابق، ص41.
26. عماد عواد، أزمة دارفور الأبعاد وتنوع الاشكاليات، مرجع سابق، ص56.
27. وزارة الإعلام والاتصالات، أزمة دارفور: من الحقيقة والافتراء، الخرطوم، دار مصحف أفريقيا للطباعة، مجلس الإعلام الخارجي، يوليو 2004م، ص4.
28. سونا، نشرة خاصة، 15/9/2004م.

الشروق