





كتاب المغازي للواقدي
بدر القتال
...
بَدْرُالْقِتَالِ
قَالَ وَلَمّا تَحَيّنَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصِرَافَ الْعِيرِ مِنْ الشّامِ، نَدَبَ أَصْحَابَهُ لِلْعِيرِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللّهِ وَسَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ، قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ بِعَشْرِ لَيَالٍ يَتَحَسّسَانِ2 خَبَرَ الْعِيرِ حَتّى نَزَلَا عَلَى كَشَدٍ الْجُهَنِيّ بِالنّخْبَارِ مِنْ الْحَوْرَاءِ - وَالنّخْبَارُ مِنْ وَرَاءِ ذِي الْمَرْوَةِ عَلَى السّاحِلِ - فَأَجَارَهُمَا، وَأَنْزَلَهُمَا، وَلَمْ يَزَالَا مُقِيمَيْنِ عِنْدَهُ فِي خِبَاءٍ3 حَتّى مَرّتْ الْعِيرُ فَرَفَعَ طَلْحَةُ وَسَعِيدٌ عَلَى نَشَزٍ مِنْ الْأَرْضِ فَنَظَرَا إلَى الْقَوْمِ وَإِلَى مَا تَحْمِلُ الْعِيرُ وَجَعَلَ أَهْلُ الْعِيرِ يَقُولُونَ يا كشد
2 في الأصل "يتجسسان" وفي ت: "يتحسبان"، والممثبت من ث، قال السهيلي: التحسس بالحاء أن تتمسع الأخبار بنفسك، والتجسس بالجيم هو أن تفحص عنها بغيرك. "الروض الأنف، ج2 ص: 61".
3 في ح: "في خباء وبر".
هَلْ رَأَيْت أَحَدًا مِنْ عُيُونِ مُحَمّدٍ؟ فَيَقُولُ أَعُوذُ بِاَللّهِ. وَأَنّى عُيُونُ مُحَمّدٍ بِالنّخْبَارِ؟ فَلَمّا رَاحَتْ الْعِيرُ بَاتَا حَتّى أَصْبَحَا ثُمّ خَرَجَا. وَخَرَجَ مَعَهُمَا كَشَدٌ خَفِيرًا، حَتّى أَوْرَدَهُمَا ذَا الْمَرْوَةِ. وَسَاحَلَتْ الْعِيرُ فَأَسْرَعَتْ وَسَارُوا اللّيْلَ وَالنّهَارَ فَرَقًا مِنْ الطّلَبِ. فَقَدِمَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَسَعِيدٌ الْمَدِينَةَ الْيَوْمَ الّذِي لَاقَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ، فَخَرَجَا يَعْتَرِضَانِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَقِيَاهُ بِتُرْبَانَ - وَتُرْبَانُ بَيْنَ مَلَلٍ وَالسّيَالَةِ1 عَلَى الْمَحَجّةِ، وَكَانَتْ مَنْزِلَ ابْنِ أُذَيْنَةَ الشّاعِرِ. وَقَدِمَ كَشَدٌ بَعْدَ ذَلِكَ. فَأَخْبَرَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعِيدٌ وَطَلْحَةُ إجَارَتَهُ إيّاهُمَا، فَحَيّاهُ2 رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْرَمَهُ وَقَالَ: " أَلَا أَقْطَعُ لَك يَنْبُعَ "؟3 فَقَالَ إنّي كَبِيرٌ وَقَدْ نَفِدَ عُمْرِي، وَلَكِنْ أَقْطِعْهَا لِابْنِ أَخِي. فَقَطَعَهَا لَهُ.
قَالُوا: وَنَدَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالَ: " وَهَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا أَمْوَالُهُمْ، لَعَلّ اللّهَ يُغْنِمكُمُوهَا " فَأَسْرَعَ مَنْ أَسْرَعَ حَتّى إنْ كَانَ الرّجُلُ لَيُسَاهِمُ أَبَاهُ فِي الْخُرُوجِ فَكَانَ مِمّنْ سَاهَمَ سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ وَأَبُوهُ فِي الْخُرُوجِ إلَى بَدْرٍ، فَقَالَ سَعْدٌ لِأَبِيهِ إنّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ الْجَنّةِ آثَرْتُك بِهِ إنّي لَأَرْجُو الشّهَادَةَ فِي وَجْهِي هَذَا فَقَالَ خَيْثَمَةُ آثِرْنِي، وَقِرْ مَعَ نِسَائِك فَأَبَى سَعْدٌ فَقَالَ خَيْثَمَةُ إنّهُ لَا بُدّ لِأَحَدِنَا مِنْ أَنْ يُقِيمَ. فَاسْتَهَمَا، فَخَرَجَ سَهْمُ سَعْدٍ فَقُتِلَ بِبَدْرٍ.
وَأَبْطَأَ عَنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كرهوا
1 في ح: "السبالة". وقال ياقوت: السيالة أول مرحلة لأهل المدينة إذا أرادوا مكة. "معجم البلدان ج8 ص: 526".
2 في ب، ت: "حباه" بالباء.
3 ينبع عن يمين رضوى لمن كان منحدرا من المدينة إلى البحر. "معجم البلدان ج8، ص: 526".
خُرُوجَهُ وَكَانَ فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ وَاخْتِلَافٌ. وَكَانَ مَنْ تَخَلّفَ لَمْ يُلَمْ لِأَنّهُمْ مَا خَرَجُوا عَلَى قِتَالٍ وَإِنّمَا خَرَجُوا لِلْعِيرِ. وَتَخَلّفَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ نِيّاتِ وَبَصَائِرَ لَوْ ظَنّوا أَنّهُ يَكُونُ قِتَالٌ مَا تَخَلّفُوا. وَكَانَ مِمّنْ تَخَلّفَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ أُسَيْدُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي سَرّك وَأَظْهَرَك عَلَى عَدُوّك وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ مَا تَخَلّفْت عَنْك رَغْبَةً بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِك، وَلَا ظَنَنْت أَنّك تُلَاقِي عَدُوّا، وَلَا ظَنَنْت إلّا أَنّهَا الْعِيرُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَدَقْت " وَكَانَتْ أَوّلَ غَزْوَةٍ أَعَزّ اللّهُ فِيهَا الْإِسْلَامَ وَأَذَلّ فِيهَا أَهْلَ الشّرْكِ.
وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ حَتّى انْتَهَى إلَى نَقْبِ بَنِي دِينَارٍ، ثُمّ نَزَلَ بِالْبُقْعِ وَهِيَ بُيُوتُ السّقْيَا - الْبُقْعُ نَقْبُ بَنِي دِينَارٍ بِالْمَدِينَةِ، وَالسّقْيَا مُتّصِلٌ بِبُيُوتِ الْمَدِينَةِ - يَوْمَ الْأَحَدِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ. فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ وَعَرَضَ الْمُقَاتِلَةَ فَعَرَضَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ ظَهِيرٍ، وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَرَدّهُمْ وَلَمْ يُجِزْهُمْ.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْت أَخِي عُمَيْرَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ قَبْلَ أَنْ يَعْرِضَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَارَى، فَقُلْت: مَا لَك يَا أَخِي؟ قَالَ إنّي أَخَافُ أَنْ يَرَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْتَصْغِرَنِي فَيَرُدّنِي، وَأَنَا أُحِبّ الْخُرُوجَ لَعَلّ اللّهَ يَرْزُقُنِي الشّهَادَةَ. قَالَ فَعُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَصْغَرَهُ فَقَالَ: " ارْجِعْ " فَبَكَى عُمَيْرٌ فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ فَكَانَ سَعْدٌ يَقُولُ كُنْت أَعْقِدُ لَهُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ مِنْ صِغَرِهِ فَقُتِلَ بِبَدْرٍ وَهُوَ ابْنُ سِتّ عشرة سنة.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ قَالَ حَدّثَنِي عَيّاشُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْأَشْجَعِيّ أَنّ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْ بِئْرِهِمْ يَوْمَئِذٍ وَشَرِبَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَاءِ بِئْرِهِمْ. فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، أَنّ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَوّلَ مَنْ شَرِبَ مِنْ بِئْرِهِمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ. حَدّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا بَعْدَ ذَلِكَ.
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلّى عِنْدَ بُيُوتِ السّقْيَا1، وَدَعَا يَوْمَئِذٍ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: " اللّهُمّ إنّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُك وَخَلِيلُك وَنَبِيّك، دَعَاك لِأَهْلِ مَكّةَ وَإِنّي مُحَمّدٌ عَبْدُك وَنَبِيّك، أَدْعُوَك لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدّهِمْ وَثِمَارِهِمْ اللّهُمّ حَبّبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ ، وَاجْعَلْ مَا بِهَا مِنْ الْوَبَاءِ بِخُمّ اللّهُمّ إنّي قَدْ حَرّمْت مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كَمَا حَرّمَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُك مَكّةَ " وَخُمّ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْ الْجُحْفَةِ
قَالُوا: وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ وَبَسْبَسُ2 بْنُ عَمْرٍو مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا. قَالُوا: وَجَاءَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ3 إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ يا رسول الله
1 في ث: "بعد [أن] خرج إلى بدر".
2 في ح: "بسيس" قال السهيلي: وفي مصنف أبي داود بسيسة، وبعض رواة أبي داود يقول: بسيسة بضم الباءس وكذلك في كتاب مسلم. "الروض الأنف ج2، ص:64". وقيل: بسبسة كما ذكر ابن الأثير. "أسد الغابة، ج1، ص: 179".
3 في ت: "حزام".
لَقَدْ سَرّنِي مَنْزِلُك هَذَا، وَعَرْضُك فِيهِ أَصْحَابَك، وَتَفَاءَلْت بِهِ إنّ هَذَا مَنْزِلُنَا - بَنِي سَلَمَةَ - حَيْثُ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَهْلِ حُسَيْكَةَ مَا كَانَ - حُسَيْكَةُ الذّبَابِ1، وَالذّبَابُ جَبَلٌ بِنَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ، كَانَ بِحُسَيْكَةَ يَهُودَ وَكَانَ لَهُمْ بِهَا مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ - فَعَرَضْنَا هَاهُنَا أَصْحَابَنَا، فَأَجَزْنَا مَنْ كَانَ يُطِيقُ السّلَاحَ وَرَدَدْنَا مَنْ صَغُرَ عَنْ حَمْلِ السّلَاحِ ثُمّ سِرْنَا إلَى يَهُودِ حُسَيْكَةَ وَهُمْ أَعَزّ يَهُودَ كَانُوا يَوْمَئِذٍ فَقَتَلْنَاهُمْ كَيْفَ شِئْنَا، فَذَلّتْ لَنَا سَائِرُ يَهُودَ إلَى الْيَوْمِ وَأَنَا أَرْجُو يَا رَسُولَ اللّهِ أَنْ نَلْتَقِيَ نَحْنُ وَقُرَيْش، فَيُقِرّ اللّهُ عَيْنَك مِنْهُمْ.
وَكَانَ خَلّادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ يَقُولُ لَمّا كَانَ مِنْ النّهَارِ رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ بِخُرْبَى2، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ: مَا ظَنَنْت إلّا أَنّكُمْ قَدْ سِرْتُمْ فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُ النّاسَ بِالْبُقْعِ3.
قَالَ عَمْرٌو: نِعْمَ الْفَأْلُ وَاَللّهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ تَغْنَمُوا وَأَنْ تَظْفَرُوا بِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ إنّ هَذَا مَنْزِلُنَا يَوْمَ سِرْنَا إلَى حُسَيْكَةَ. قَالَ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَيّرَ اسْمَهُ وَسَمّاهُ السّقْيَا. قَالَ فَكَانَتْ فِي نَفْسِي أَنْ أَشْتَرِيَهَا، حَتّى اشْتَرَاهَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ بِبِكْرَيْنِ وَيُقَالُ بِسَبْعِ أَوَاقٍ. قَالَ فَذُكِرَ لِلنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنّ سَعْدًا اشْتَرَاهَا، فَقَالَ: " رَبِحَ الْبَيْعُ ".
قَالُوا: وَرَاحَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيّةَ الْأَحَدِ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مَعَهُ وَهُمْ ثَلَثُمِائَةٍ وَخَمْسَةٍ وَثَمَانِيَةٌ تَخَلّفُوا فَضَرَبَ لَهُمْ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ. وَكَانَتْ الْإِبِلُ سَبْعِينَ بَعِيرًا
1 هكذا في الأصل وب. وفي ت: "الدباب". وذكره البكري بالذال. "معجم ما استعجم ص: 383".
2 ذكره ياقوت ولكنه لم يعين موضعه. وقال السمهودي: خربى كحبلى منزلة لبني سلمة فيما بين مسجد القبلتين إلى المذاد. "وفاء الوفاء ج2 ص: 298".
3 في ث: "بالبقيع".
وَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ الْإِبِلَ الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ. فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السّلَامُ وَمَرْثَدٌ - وَيُقَالُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَكَانَ مَرْثَدٍ - يَتَعَاقَبُونَ بَعِيرًا وَاحِدًا. وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو كَبْشَةَ، وَأَنَسَةُ مَوْلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَعِيرٍ. وَكَانَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالطّفَيْلُ وَالْحُصَيْنُ ابْنَا الْحَارِثِ وَمِسْطَحُ بْنُ أَثَاثَةَ عَلَى بَعِيرٍ لِعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ نَاضِحٍ ابْتَاعَهُ مِنْ ابْنِ أَبِي دَاوُدَ الْمَازِنِيّ. وَكَانَ مُعَاذٌ وَعَوْفٌ وَمُعَوّذٌ بَنُو عَفْرَاءَ، وَمَوْلَاهُمْ أَبُو الْحَمْرَاءِ عَلَى بَعِيرٍ وَكَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ، وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ، وَحَارِثَةُ بْنُ النّعْمَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَكَانَ خِرَاشُ بْنُ الصّمّةَ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ1 عَلَى بَعِيرٍ وَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى جَمَلٍ لِعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ يُقَالُ لَهُ الْعُبَيْسُ2. وَكَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ حَرْمَلَةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ رَبِيعٍ عَلَى جَمَلٍ لِمُصْعَبٍ وَكَانَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ عَلَى بَعِيرٍ وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ كَعْبٍ وَأَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيّ، وَسَلِيطُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى جَمَلٍ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ كَعْبٍ وَكَانَ عُثْمَانُ وَقُدَامَةُ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ مَظْعُونٍ، وَالسّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ عَلَى بَعِيرٍ يَتَعَاقَبُونَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى بَعِيرٍ وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأَخُوهُ وَابْنُ أَخِيهِ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَنَسٍ عَلَى جَمَلٍ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ نَاضِحٍ يُقَالُ لَهُ الذّيّالُ وَكَانَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ، وَعَبّادُ بْنُ بِشْرٍ وَرَافِعُ بْنُ يَزِيدَ وَالْحَارِثُ بْنُ خَزَمَةَ عَلَى نَاضِحٍ لِسَعْدِ بْنِ زَيْدٍ مَا تَزَوّدَ إلّا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ.
1 في ت: "حزام".
2 هكذا في الأصل بصيغة التصغير. وفي ب، ت: "العبس".
فَحَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْت مَعَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَدْرٍ، وَكَانَ كُلّ ثَلَاثَةٍ يَتَعَاقَبُونَ بَعِيرًا، فَكُنْت أَنَا وَأَخِي خَلّادُ بْنُ رَافِعٍ عَلَى بَكْرٍ لَنَا، وَمَعَنَا عُبَيْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَامِرٍ، فَكُنّا نَتَعَاقَبُ. فَسِرْنَا حَتّى إذَا كُنّا بِالرّوْحَاءِ1، أَذَمّ2 بِنَا بَكْرُنَا، فَبَرَكَ عَلَيْنَا، وَأَعْيَا، فَقَالَ أَخِي: اللّهُمّ إنّ لَك عَلَيّ نَذْرًا، لَئِنْ رَدَدْتنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَأَنْحَرَنهُ. قَالَ فَمَرّ بِنَا النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللّهِ بَرَكَ عَلَيْنَا بَكْرُنَا. فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ وَتَوَضّأَ فِي إنَاءٍ ثُمّ قَالَ: " افْتَحَا فَاهُ " فَفَعَلْنَا، ثُمّ صَبّهُ فِي فِيهِ ثُمّ عَلَى رَأْسِهِ ثُمّ عَلَى عُنُقِهِ ثُمّ عَلَى حَارِكِهِ3 ثُمّ عَلَى سَنَامِهِ ثُمّ عَلَى عَجُزِهِ ثُمّ عَلَى ذَنَبِهِ ثُمّ قَالَ: " ارْكَبَا " وَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَحِقْنَاهُ أَسْفَلَ الْمُنْصَرَفِ4 وَإِنّ بَكْرَنَا لَيَنْفِرُ بِنَا، حَتّى إذَا كُنّا بِالْمُصَلّى5 رَاجِعِينَ مِنْ بَدْرٍ بَرَكَ عَلَيْنَا، فَنَحَرَهُ أَخِي، فَقَسّمَ لَحْمَهُ وَتَصَدّقَ بِهِ. وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ حَمَلَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فِي بَدْرٍ عَلَى عِشْرِينَ جَمَلًا.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وقاص،
1 قال البكري: الروحاء على ليلتين من المدينة بينهما أحد وأربعون ميلا. "معجم ما استعجم ، ص: 427".
2 في الأصل: "إذ مر بنا" والمثبت من ب، وأذم: انقطع سيره. "النهاية ج2 ص: 50".
3 الحارك: أعلى الكاهل وعظم مشرف من جانبيه ومنبت أدنى العرف إلى الظهر الذي يأخذ به من يركبه "القاموس المحيط ج3، ص: 298".
4 المنصرف: موضع بين مكة وبدر، وبينهما أربعة برد. "معجم البلدان ج8، ص: 177".
5 المصلى موضع الصلاة. وهو هنا موضع بعينه في عقيق المدينة كما ذكر ياقوت\. "معجم البلدان ج8، ص: 79".
قَالَ خَرَجْنَا إلَى بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَنَا سَبْعُونَ بَعِيرًا، فَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ الثّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ وَالِاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ. وَكُنْت أَنَا مِنْ أَعْظَمِ أَصْحَابِ النّبِيّ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ عَنْهُ غِنَاءً أَرْجَلَهُمْ رُجْلَةً وَأَرْمَاهُمْ بِسَهْمٍ لَمْ أَرْكَبْ خُطْوَةً ذَاهِبًا وَلَا رَاجِعًا.
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَصَلَ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا: " اللّهُمّ إنّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ وَعُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ وَجِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ وَعَالَةٌ فَأَغْنِهِمْ مِنْ فَضْلِك " قَالَ فَمَا رَجَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ إلّا وَجَدَ ظَهْرًا، لِلرّجُلِ الْبَعِيرُ وَالْبَعِيرَانِ وَاكْتَسَى مَنْ كَانَ عَارِيًا، وَأَصَابُوا طَعَامًا مِنْ أَزْوَادِهِمْ وَأَصَابُوا فِدَاءَ الْأَسْرَى فَأَغْنَى بِهِ كُلّ عَائِلٍ. وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُشَاةِ قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ - وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولٍ - وَأَمَرَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَصَلَ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا أَنْ يَعُدّ الْمُسْلِمِينَ. فَوَقَفَ لَهُمْ بِبِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ1 فَعَدّهُمْ ثُمّ أَخْبَرَ النّبِيّ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بُيُوتِ السّقْيَا حَتّى سَلَكَ بَطْنَ الْعَقِيقِ، ثُمّ سَلَكَ طَرِيقَ الْمُكْتَمِنِ2 حَتّى خَرَجَ عَلَى بَطْحَاءِ ابْنِ أَزْهَرَ، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُنَاكَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى حِجَارٍ فَبَنَى تَحْتَهَا مَسْجِدًا، فَصَلّى فِيهِ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَصْبَحَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَهُوَ هُنَاكَ وَأَصْبَحَ بِبَطْنِ مَلَلٍ وَتُرْبَانَ ; بَيْنَ الْحَفِيرَةِ وَمَلَلٍ. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ: لَمّا كُنّا بِتُرْبَانَ قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا سَعْدُ اُنْظُرْ إلَى الظّبْيِ ". قَالَ فَأُفَوّقُ لَهُ بسهم
1 في ح: "بئر أبي عبيدة" وقال ابن سعد: بئر أبي عنبة على ميل من المدينة. "الطبقات ج2، ص:6".
2 هكذا في كل النسخ، ولعله يريد هنا المكيمن ويقال مكيمن الجماء وهو الجبل المتصل بجماء تضارع ببطن العقيق "وفاء الوفاء ج2، ص: 376".
وَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ ذَقَنَهُ1 بَيْنَ مَنْكِبَيّ وَأُذُنَيّ ثُمّ قَالَ: " ارْمِ اللّهُمّ سَدّدْ رَمْيَتَهُ " قَالَ فَمَا أَخْطَأَ سَهْمِي عَنْ نَحْرِهِ. قَالَ فَتَبَسّمَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ وَخَرَجْت أَعْدُو، فَأَجِدُهُ وَبِهِ رَمَقٌ فَذَكّيْته فَحَمَلْنَاهُ حَتّى نَزَلْنَا قَرِيبًا، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُسِمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ. حَدّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمّدُ بْنُ بِجَادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ. قَالُوا: وَكَانَ مَعَهُمْ فَرَسَانِ فَرَسٌ لِمَرْثَدِ بْنِ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ، وَفَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو الْبَهْرَانِيّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ. وَيُقَالُ فَرَسٌ لِلزّبَيْرِ. وَلَمْ يَكُنْ إلّا فَرَسَانِ وَلَا اخْتِلَافَ عِنْدَنَا أَنّ الْمِقْدَادَ لَهُ فَرَسٌ.
حَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَمّتِهِ عَنْ أَبِيهَا، عَنْ ضِبَاعَةَ بِنْتِ الزّبَيْرِ عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ كَانَ مَعِي فَرَسٌ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَالُ لَهُ سَبْحَةُ. وَحَدّثَنِي سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الْغَنَوِيّ، عَنْ آبَائِهِ قَالَ شَهِدَ مَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ يَوْمَئِذٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ السّيْلُ.
قَالُوا: وَلَحِقَتْ قُرَيْشٌ بِالشّامِ فِي عِيرِهَا، وَكَانَتْ الْعِيرُ أَلْفَ بَعِيرٍ وَكَانَتْ فِيهَا أَمْوَالٌ عِظَامٌ وَلَمْ يَبْقَ بِمَكّةَ قُرَشِيّ وَلَا قُرَشِيّةٌ لَهُ مِثْقَالٌ فَصَاعِدًا، إلّا بَعَثَ بِهِ فِي الْعِيرِ حَتّى إنّ الْمَرْأَةَ لَتَبْعَثُ بِالشّيْءِ التّافِهِ. فَكَانَ يُقَالُ إنّ فِيهَا لَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَقَالُوا أَقَلّ وَإِنْ كَانَ لَيُقَالُ إنّ أَكْثَرَ مَا فِيهَا مِنْ الْمَالِ لِآلِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ - أَبِي أُحَيْحَةَ - إمّا مَالٌ لَهُمْ أَوْ مَالٌ مَعَ قَوْمٍ قِرَاضٌ عَلَى النّصْفِ فَكَانَتْ عَامّةُ الْعِيرِ لَهُمْ. وَيُقَالُ كَانَ لِبَنِي مَخْزُومٍ فِيهَا مِائَتَا بَعِيرٍ و[خَمْسَةٌ أَوْ2] أَرْبَعَةُ آلَافِ مِثْقَالِ ذَهَبٍ وَكَانَ يُقَالُ لِلْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ فِيهَا أَلْفُ مِثْقَالٍ وَكَانَ لِأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ ألفا مثقال.
1 في ح: "رأسه".
2 سقط في ت.
فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ أَبِي الْحُوَيْرِثِ قَالَ كَانَتْ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فِيهَا عَشْرَةُ آلَافِ مِثْقَالٍ وَكَانَ مَتْجَرُهُمْ إلَى غَزّةَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ، وَكَانَتْ عِيرَاتُ بُطُونِ قُرَيْشٍ فِيهَا - يَعْنِي الْعِيرَ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ مَوْلَى الْمِسْوَرِ عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ قَالَ لَمّا لَحِقْنَا بِالشّامِ أَدْرَكَنَا رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ، فَأَخْبَرَنَا أَنّ مُحَمّدًا كَانَ عَرَضَ لِعِيرِنَا فِي بَدْأَتِنَا، وَأَنّهُ تَرَكَهُ مُقِيمًا يَنْتَظِرُ رَجْعَتَنَا. قَدْ حَالَفَ عَلَيْنَا أَهْلَ الطّرِيقِ وَوَادَعَهُمْ. قَالَ مَخْرَمَةُ فَخَرَجْنَا خَائِفِينَ نَخَافُ الرّصَدَ فَبَعَثْنَا ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو حِينَ فَصَلْنَا مِنْ الشّامِ . وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُحَدّثُ يَقُولُ لَمّا كُنّا بِالزّرْقَاءِ - وَالزّرْقَاءُ بِالشّامِ بِنَاحِيَةِ مَعَانَ مِنْ أَذْرِعَاتٍ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ - وَنَحْنُ مُنْحَدِرُونَ إلَى مَكّةَ ، لَقِينَا رِجَالًا مِنْ جُذَامٍ، فَقَالَ قَدْ كَانَ عَرَضَ مُحَمّدٌ لَكُمْ فِي بَدْأَتِكُمْ فِي أَصْحَابِهِ. فَقُلْنَا: مَا شَعَرْنَا قَالَ بَلَى، فَأَقَامَ شَهْرًا ثُمّ رَجَعَ إلَى يَثْرِبَ ، وَأَنْتُمْ يَوْمَ عَرَضَ مُحَمّدٌ لَكُمْ مُخْفُونَ فَهُوَ الْآنَ أَحْرَى أَنْ يَعْرِضَ لَكُمْ إنّمَا يَعُدّ لَكُمْ الْأَيّامَ عَدّا، فَاحْذَرُوا عَلَى عِيرِكُمْ وَارْتَأَوْا آرَاءَكُمْ فَوَاَللّهِ مَا أَرَى مِنْ عَدَدٍ وَلَا كُرَاعَ وَلَا حَلْقَةٍ. فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فَبَعَثُوا ضَمْضَمًا، وَكَانَ فِي الْعِيرِ وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ مَرّتْ بِهِ وَهُوَ بِالسّاحِلِ مَعَ بُكْرَانِ لَهُ فَاسْتَأْجَرُوهُ بِعِشْرِينَ مِثْقَالًا. وَأَمَرَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ يُخْبِرَ قُرَيْشًا أَنّ مُحَمّدًا قَدْ عَرَضَ لِعِيرِهِمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَجْدَعَ1 بَعِيرَهُ إذَا دَخَلَ وَيُحَوّلَ رَحْلَهُ وَيَشُقّ قَمِيصَهُ مِنْ قُبُلِهِ وَدُبُرِهِ وَيَصِيحَ الْغَوْثَ الْغَوْثَ وَيُقَالُ إنّمَا بَعَثُوهُ مِنْ تَبُوكَ2. وَكَانَ فِي الْعِيرِ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَمَخْرَمَةُ بْنُ نَوْفَلٍ.
1 جدع بعيره: قطع أنفه. "شرح أبي ذر ص: 153".
2 تبوك: موضع بين الحجر وأول الشام على أربع مراحل من الحجر. "معجم البلدان ج3، ص:365".
قَالُوا: وَقَدْ رَأَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَبْلَ1 ضَمْضَمَ بْنِ عَمْرٍو رُؤْيَا رَأَتْهَا فَأَفْزَعَتْهَا، وَعَظُمَتْ فِي صَدْرِهَا. فَأَرْسَلَتْ إلَى أَخِيهَا الْعَبّاسِ فَقَالَتْ يَا أَخِي، قَدْ رَأَيْت وَاَللّهِ رُؤْيَا اللّيْلَةَ أَفْظَعْتهَا، وَتَخَوّفْت أَنْ يَدْخُلَ عَلَى قَوْمِك مِنْهَا شَرّ وَمُصِيبَةٌ فَاكْتُمْ عَلَيّ أُحَدّثْك مِنْهَا. قَالَتْ رَأَيْت رَاكِبًا أَقْبَلَ عَلَى بَعِيرٍ حَتّى وَقَفَ بِالْأَبْطَحِ ، ثُمّ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا آلَ غُدَرَ2 انْفِرُوا إلَى مَصَارِعِكُمْ فِي ثَلَاثٍ فَصَرَخَ بِهَا ثَلَاثَ مَرّاتٍ فَأَرَى النّاسَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ ثُمّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنّاسُ يَتْبَعُونَهُ إذْ مَثَلَ بِهِ3 بَعِيرُهُ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، فَصَرَخَ بِمِثْلِهَا ثَلَاثًا، ثُمّ مَثَلَ بِهِ بَعِيرُهُ عَلَى رَأْسِ أَبِي قُبَيْسٍ، ثُمّ صَرَخَ بِمِثْلِهَا ثَلَاثًا. ثُمّ أَخَذَ صَخْرَةً مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ فَأَرْسَلَهَا، فَأَقْبَلَتْ تَهْوِي حَتّى إذَا كَانَتْ بِأَسْفَلِ الْجَبَلِ ارْفَضّتْ فَمَا بَقِيَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ مَكّةَ ، وَلَا دَارٌ مِنْ دُورِ مَكّةَ ، إلّا دَخَلَتْهُ مِنْهَا فِلْذَةٌ. فَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُحَدّثُ فَيَقُولُ لَقَدْ رَأَيْت كُلّ هَذَا، وَلَقَدْ رَأَيْت فِي دَارِنَا فِلْقَةً مِنْ الصّخْرَةِ الّتِي انْفَلَقَتْ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ فَلَقَدْ كَانَ ذَلِكَ عِبْرَةً وَلَكِنّ اللّهَ لَمْ يُرِدْ أَنْ نُسْلِمَ يَوْمَئِذٍ لَكِنّهُ أَخّرَ إسْلَامَنَا إلَى مَا أَرَادَ.
قَالُوا: وَلَمْ يَدْخُلْ دَارًا وَلَا بَيْتًا مِنْ دُورِ بَنِي هَاشِمٍ وَلَا بَنِي زُهْرَةَ مِنْ تِلْكَ الصّخْرَةِ شَيْءٌ. قَالُوا: فَقَالَ أَخُوهَا: إنّ هَذِهِ لَرُؤْيَا فَخَرَجَ مُغْتَمّا حَتّى لَقِيَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، فَذَكَرَهَا لَهُ وَاسْتَكْتَمَهُ فَفَشَا الْحَدِيثُ فِي النّاسِ. قَالَ4 فَغَدَوْت أَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ فِي رَهْطٍ
1 أي قبل مجيء ضمضم.
2 قال السهيلي: أما عبيد الله فقال في المصنف: تقول يا غدر أي يا غادر، فإذا جمعت قلت يا آل غدر. "الروض الأنف ص: 153".
3 مثل به: قام به. "شرح أبي ذر ص: 153".
4 أي قال العباس.
مِنْ قُرَيْشٍ يَتَحَدّثُونَ قُعُودًا بِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ مَا رَأَتْ عَاتِكَةُ هَذِهِ فَقُلْت: وَمَا ذَاكَ؟ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَمَا رَضِيتُمْ أَنْ يَتَنَبّأَ رِجَالُكُمْ حَتّى تَتَنَبّأَ نِسَاؤُكُمْ؟ زَعَمَتْ عَاتِكَةُ أَنّهَا رَأَتْ فِي الْمَنَامِ كَذَا وَكَذَا - الّذِي رَأَتْ - فَسَنَتَرَبّصُ بِكُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ يَكُ مَا قَالَتْ حَقّا فَسَيَكُونُ وَإِنْ مَضَتْ الثّلَاثُ وَلَمْ يَكُنْ نَكْتُبْ1 عَلَيْكُمْ أَنّكُمْ أَكْذَبُ أَهْلِ بَيْتٍ فِي الْعَرَبِ. فَقَالَ يَا مُصَفّرَ اسْتِهِ أَنْتَ أَوْلَى بِالْكَذِبِ وَاللّؤْمِ مِنّا قَالَ أَبُو جَهْلٍ إنّا اسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ وَأَنْتُمْ فَقُلْتُمْ فِينَا السّقَايَةُ فَقُلْنَا: لَا نُبَالِي، تَسْقُونَ الْحَاجّ ثُمّ قُلْتُمْ فِينَا الْحِجَابَةُ فَقُلْنَا: لَا نُبَالِي، تَحْجُبُونَ الْبَيْتَ ثُمّ قُلْتُمْ فِينَا النّدْوَةُ فَقُلْنَا: لَا نُبَالِي، تَلُونَ الطّعَامَ وَتُطْعِمُونَ النّاسَ ثُمّ قُلْتُمْ فِينَا الرّفَادَةُ فَقُلْنَا: لَا نُبَالِي، تَجْمَعُونَ عِنْدَكُمْ مَا تَرْفِدُونَ بِهِ الضّعِيفَ فَلَمّا أَطْعَمْنَا النّاسَ وَأَطْعَمْتُمْ وَازْدَحَمَتْ الرّكْبُ وَاسْتَبَقْنَا الْمَجْدَ فَكُنّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قُلْتُمْ مِنّا نَبِيّ ثُمّ قُلْتُمْ مِنّا نَبِيّةٌ فَلَا وَاَللّاتِي وَالْعُزّى، لَا كَانَ هَذَا أَبَدًا قَالَ فَوَاَللّهِ مَا كَانَ مِنّي مِنْ غِيَرٍ إلّا2 أَنّي جَحَدْت ذَلِكَ وَأَنْكَرْت أَنْ تَكُونَ عَاتِكَةُ رَأَتْ شَيْئًا. فَلَمّا أَمْسَيْت لَمْ تَبْقَ امْرَأَةٌ أَصَابَتْهَا وِلَادَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ إلّا جَاءَتْ فَقُلْنَ رَضِيتُمْ بِهَذَا الْفَاسِقِ الْخَبِيثِ يَقَعُ فِي رِجَالِكُمْ ثُمّ قَدْ تَنَاوَلَ نِسَاءَكُمْ وَأَنْتَ تَسْمَعُ وَلَمْ يَكُنْ لَك عِنْدَ ذَلِكَ غَيْرَةٌ؟ قَالَ وَاَللّهِ مَا فَعَلْت إلّا مَا لَا بَالَ3 بِهِ. وَاَللّهِ لَأَعْتَرِضَن لَهُ غَدًا، فَإِنْ عَادَ لَأَكْفِيكُمُوهُ. فَلَمّا أَصْبَحُوا مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الّذِي رَأَتْ فِيهِ عَاتِكَةُ مَا رَأَتْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذَا يَوْمٌ ثُمّ الْغَدُ قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذَانِ يَوْمَانِ فَلَمّا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذِهِ ثَلَاثَةُ أَيّامٍ مَا بَقِيَ
1 في ت: "يكتب عليكم" بالبناء للمجهول.
2 في ب، ت: "ما كان مني غير إلا أني" وفي ح: "ما كان مني غير أني"
3 في ح: إلا لا أبالي به".
قَالَ وَغَدَوْت فِي الْيَوْمِ الثّالِثِ وَأَنَا حَدِيدٌ مُغْضَبٌ أَرَى أَنْ قَدْ فَاتَنِي مِنْهُ أَمْرٌ أُحِبّ أَنْ أُدْرِكَهُ وَأَذْكُرَ مَا أَحْفَظَتْنِي النّسَاءُ بِهِ مِنْ مَقَالَتِهِنّ لِي مَا قُلْنَ فَلِلّهِ إنّي لَأَمْشِي نَحْوَهُ - وَكَانَ رَجُلًا خَفِيفًا، حَدِيدَ الْوَجْهِ، حَدِيدَ اللّسَانِ حَدِيدَ النّظَرِ - إذْ خَرَجَ نَحْوَ بَابِ بَنِي سَهْمٍ يَشْتَدّ، فَقُلْت: مَا بَالُهُ لَعَنَهُ اللّهُ؟ أَكُلّ هَذَا فَرْقًا مِنْ أَنْ أُشَاتِمَهُ؟ فَإِذَا هُوَ قَدْ سَمِعَ صَوْتَ ضَمْضَمَ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، يَا آلَ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ، اللّطِيمَةَ قَدْ عَرَضَ لَهَا مُحَمّدٌ فِي أَصْحَابِهِ الْغَوْثَ، الْغَوْثَ وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ تُدْرِكُوهَا وَضَمْضَمُ يُنَادِي بِذَلِكَ بِبَطْنِ الْوَادِي، قَدْ جَدَعَ أُذُنَيْ بَعِيرِهِ وَشَقّ قَمِيصَهُ قُبُلًا وَدُبُرًا، وَحَوّلَ رَحْلَهُ. وَكَانَ يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْتنِي قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكّةَ وَإِنّي لَأَرَى فِي النّوْمِ وَأَنَا عَلَى رَاحِلَتِي، كَأَنّ وَادِيَ مَكّةَ يَسِيلُ مِنْ أَعْلَاهُ إلَى أَسْفَلِهِ دَمًا، فَاسْتَيْقَظْت فَزِعًا مَذْعُورًا، وَكَرِهْتهَا لِقُرَيْشٍ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنّهَا مُصِيبَةٌ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَكَانَ يُقَالُ إنّ الّذِي نَادَى يَوْمَئِذٍ إبْلِيسُ تَصَوّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ فَسَبَقَ ضَمْضَمًا فَأَنْفَرَهُمْ إلَى عِيرِهِمْ ثُمّ جَاءَ ضَمْضَمٌ بَعْدَهُ. فَكَانَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ يَقُولُ مَا رَأَيْت أَعْجَبَ مِنْ أَمْرِ ضَمْضَمٍ قَطّ، وَمَا صَرَخَ عَلَى لِسَانِهِ إلّا شَيْطَانٌ إنّهُ لَمْ يُمَلّكْنَا مِنْ أُمُورِنَا شَيْئًا حَتّى نَفَرْنَا عَلَى الصّعْبِ وَالذّلُولِ. وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَقُولُ مَا كَانَ الّذِي جَاءَنَا فَاسْتَنْفَرَنَا إلَى الْعِيرِ إنْسَانٌ إنْ هُوَ إلّا شَيْطَانٌ فَقِيلَ كَيْفَ يَا أَبَا خَالِدٍ؟ فَقَالَ إنّي لَأَعْجَبُ مِنْهُ مَا مَلّكَنَا مِنْ أُمُورِنَا شَيْئًا!
قَالُوا : وَتَجَهّزَ النّاسُ وَشُغِلَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَكَانَ النّاسُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إمّا خَارِجٍ وَإِمّا بَاعِثٍ مَكَانَهُ رَجُلًا. فَأَشْفَقَتْ قُرَيْشٌ لِرُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَسُرّتْ بَنُو هَاشِمٍ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ كَلَا، زَعَمْتُمْ أَنّا كَذَبْنَا وَكَذَبَتْ عَاتِكَةُ فَأَقَامَتْ قُرَيْشٌ ثَلَاثَةً تَتَجَهّزُ وَيُقَالُ يَوْمَيْنِ وَأَخْرَجَتْ قُرَيْشٌ أَسْلِحَتَهَا
وَاشْتَرَوْا سِلَاحًا، وَأَعَانَ قَوِيّهُمْ ضَعِيفَهُمْ. وَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمّدٌ وَالصّبَاةُ مَعَهُ مِنْ شُبّانِكُمْ وَأَهْلُ يَثْرِبَ، قَدْ عَرَضُوا لِعِيرِكُمْ وَلَطِيمَةِ قُرَيْشٍ - وَاللّطِيمَةُ التّجَارَةُ. قَالَ أَبُو الزّنَادِ: اللّطِيمَةُ جَمِيعُ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ لِلتّجَارَةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ اللّطِيمَةُ الْعِطْرُ خَاصّةً - فَمَنْ أَرَادَ ظَهْرًا فَهَذَا ظَهْرٌ وَمَنْ أَرَادَ قُوّةً فَهَذِهِ قُوّةٌ. وَقَامَ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَقَالَ إنّهُ وَاَللّاتِي وَالْعُزّى، مَا نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، إنْ طَمِعَ مُحَمّدٌ وَأَهْلُ يَثْرِبَ أَنْ يَعْتَرِضُوا لِعِيرِكُمْ فِيهَا حَرَائِبُكُمْ1 فَأَوْعِبُوا2، وَلَا يَتَخَلّفْ مِنْكُمْ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ لَا قُوّةَ لَهُ فَهَذِهِ قُوّةٌ وَاَللّهِ لَئِنْ أَصَابَهَا مُحَمّدٌ لَا يَرُوعُكُمْ بِهِمْ إلّا وَقَدْ دَخَلُوا عَلَيْكُمْ. وَقَالَ طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيّ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّهُ وَاَللّهِ مَا نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ أَجَلّ مِنْ هَذَا، أَنْ تُسْتَبَاحَ عِيرُكُمْ وَلَطِيمَةُ قُرَيْشٍ، فِيهَا أَمْوَالُكُمْ وَحَرَائِبُكُمْ3. وَاَللّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَهُ نَشّ4 فَصَاعِدًا إلّا وَهُوَ فِي هَذِهِ الْعِيرِ فَمَنْ كَانَ لَا قُوّةَ بِهِ فَعِنْدَنَا قُوّةٌ نَحْمِلُهُ وَنُقَوّيهِ. فَحَمَلَ عَلَى عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَقَوّاهُمْ وَخَلَفَهُمْ فِي أَهْلِهِمْ بِمَعُونَةٍ. وَقَامَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَحَرّضَا5 النّاسَ عَلَى الْخُرُوجِ وَلَمْ يَدْعُوَا إلَى قُوّةٍ وَلَا حُمْلَانٍ. فَقِيلَ لَهُمَا: أَلَا تَدْعُوَانِ إلَى مَا دَعَا إلَيْهِ قَوْمُكُمَا مِنْ الْحُمْلَانِ؟ فَقَالَا: وَاَللّهِ مَا لَنَا مَالٌ وَمَا الْمَالُ إلّا لِأَبِي سُفْيَانَ. وَمَشَى نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ6 إلَى أَهْلِ الْقُوّةِ
1 في ح "خزائنكم" والحرائب: جمع الحريبة، وحريبة الرجل ماله الذي يعيش به. "الصحاح ص: 108".
2 أوعب القوم إذا خرجوا كلهم إلى الغزو. "لسان العرب ج1، ص: 800".
3 في ح: "خزائنكم".
4 النش: عشرون دطرهما، وهو نصف أوقية لأنهم يسمون الأربعين درهما أوقية. "الصحاح ص:1021".
5 في ت، ح: "فحضا".
6 في ح: "الديلمي".
مِنْ قُرَيْشٍ، فَكَلّمَهُمْ فِي بَذْلِ النّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ لِمَنْ خَرَجَ فَكَلّمَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ فَقَالَ هَذِهِ خَمْسُمِائَةِ دِينَارٍ، فَضَعْهَا حَيْثُ رَأَيْت. وَكَلّمَ حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى فَأَخَذَ مِنْهُ مِائَتَيْ دِينَارٍ أَوْ ثَلَثَمِائَةٍ ثُمّ قَوّى بِهِمَا السّلَاحَ وَالظّهْرَ. قَالُوا: وَكَانَ لَا يَتَخَلّفُ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلّا بَعَثَ مَكَانَهُ بَعِيثًا، فَمَشَتْ قُرَيْشٌ إلَى أَبِي لَهَبٍ فَقَالُوا: إنّك سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، وَإِنّك إنْ تَخَلّفْت عَنْ النّفِيرِ يَعْتَبِرُ بِك غَيْرُك مِنْ قَوْمِك، فَاخْرُجْ أَوْ ابْعَثْ أَحَدًا. فَقَالَ وَاَللّاتِي وَالْعُزّى لَا أَخْرُجُ وَلَا أَبْعَثُ أَحَدًا فَجَاءَهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ قُمْ أَبَا عُتْبَةَ فَوَاَللّهِ مَا خَرَجْنَا إلّا غَضَبًا لِدِينِك وَدِينِ آبَائِك وَخَافَ أَبُو جَهْلٍ أَنْ يُسْلِمَ أَبُو لَهَبٍ فَسَكَتَ أَبُو لَهَبٍ فَلَمْ يَخْرُجْ وَلَمْ يَبْعَثْ وَمَا مَنَعَ أَبَا لَهَبٍ أَنْ يَخْرُجَ إلّا إشْفَاقٌ مِنْ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، فَإِنّهُ كَانَ يَقُولُ إنّمَا رُؤْيَا عَاتِكَةَ أَخْذٌ بِالْيَدِ. وَيُقَالُ إنّهُ بَعَثَ مَكَانَهُ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. وَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَالَ اُخْرُجْ وَدَيْنِي لَك فَخَرَجَ عَنْهُ.
قَالُوا : وَأَخْرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ دُرُوعًا لَهُمَا، وَنَظَرَ إلَيْهِمَا عَدّاسٌ1 وَهُمَا يُصْلِحَانِ دُرُوعَهُمَا وَآلَةَ حَرْبِهِمَا، فَقَالَ مَا تُرِيدَانِ؟ قَالَا: أَلَمْ تَرَ إلَى الرّجُلِ الّذِي أَرْسَلْنَاك إلَيْهِ بِالْعِنَبِ فِي كَرْمِنَا بِالطّائِفِ ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَا: نَخْرُجُ فَنُقَاتِلُهُ. فَبَكَى وَقَالَ لَا تَخْرُجَا، فَوَاَللّهِ إنّهُ لَنَبِيّ فَأَبَيَا فَخَرَجَا، وَخَرَجَ مَعَهُمَا فَقُتِلَ بِبَدْرٍ مَعَهُمَا.
قَالُوا : وَاسْتَقْسَمَتْ قُرَيْشٌ بِالْأَزْلَامِ عِنْدَ هُبَلَ لِلْخُرُوجِ فَاسْتَقْسَمَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ عِنْدَ هُبَلَ بِالْآمِرِ وَالنّاهِي، فَخَرَجَ الْقَدَحُ النّاهِي لِلْخُرُوجِ فَأَجْمَعُوا الْمُقَامَ حَتّى أَزْعَجَهُمْ أَبُو جَهْلٍ فقال ما استقسمت
1 عداس هو غلام لهما، كما ذكر ابن إسحاق، "السيرة النكبوية ج3، ص: 62".
وَلَا نَتَخَلّفُ عَنْ عِيرِنَا وَلَمّا تَوَجّهَ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ خَارِجًا، وَكَانَ بِذِي طُوًى1، أَخْرَجَ قِدَاحَهُ فَاسْتَقْسَمَ بِهَا، فَخَرَجَ النّاهِي لِلْخُرُوجِ فَلَقِيَ غَيْظًا، ثُمّ أَعَادَهَا الثّانِيَةَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ فَكَسَرَهَا، وَقَالَ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قِدَاحًا أَكْذَبَ مِنْ هَذِهِ وَمَرّ بِهِ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَالَ مَا لِي أَرَاك غَضْبَانَ يَا أَبَا حُكَيْمَةَ؟ فَأَخْبَرَهُ زَمَعَةُ فَقَالَ امْضِ عَنْك أَيّهَا الرّجُلُ وَمَا أَكْذَبَ مِنْ هَذِهِ الْقِدَاحِ قَدْ أَخْبَرَنِي عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ مِثْلَ الّذِي أَخْبَرْتنِي أَنّهُ لَقِيَهُ. ثُمّ مَضَيَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي مُوسَى بْنُ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ لِضَمْضَمٍ إذَا قَدِمْت2 عَلَى قُرَيْشٍ فَقُلْ لَهَا لَا تَسْتَقْسِمُوا3 بِالْأَزْلَامِ.
حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ سَمِعْت حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ يَقُولُ مَا وَجّهْت وَجْهًا قَطّ كَانَ أَكْرَهَ لِي مِنْ مَسِيرِي إلَى بَدْرٍ ، وَلَا بَانَ لِي فِي وَجْهٍ قَطّ مَا بَانَ لِي قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ.
ثُمّ يَقُولُ قَدِمَ ضَمْضَمٌ فَصَاحَ بِالنّفِيرِ فَاسْتَقْسَمْت بِالْأَزْلَامِ كُلّ ذَلِكَ يَخْرُجُ الّذِي أَكْرَهُ ثُمّ خَرَجْت عَلَى ذَلِكَ حَتّى نَزَلْنَا مَرّ الظّهْرَانِ4.
فَنَحَرَ ابْنُ الْحَنْظَلِيّةِ5 جُزُرًا، فَكَانَتْ جَزُورٌ مِنْهَا بِهَا حَيَاةٌ فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلّا أَصَابَهُ مِنْ دَمِهَا، فَكَانَ هَذَا بَيّنًا. ثُمّ هَمَمْت بِالرّجُوعِ ثُمّ أَذْكُرُ ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ وَشُؤْمَهُ فَيَرُدّنِي حَتّى مضيت لوجهي.
1 ذي طوى: واد بمكة. "معجم ما استعجم ص: 457".
2 في ت: "أتيت".
3 في ب، ت، ح: "لا تستقسم".
4 مر الظهران على مرحلة من مكة. "معجم البلدان ج8، ص: 21".
5 ابن الحنظلية: كنية أبي جهل.
فَكَانَ حَكِيمٌ يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْتنَا حِينَ بَلَغْنَا الثّنِيّةَ الْبَيْضَاءَ - وَالثّنِيّةُ الْبَيْضَاءُ الّتِي تُهْبِطُكَ عَلَى فَخّ وَأَنْتَ مُقْبِلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ - إذَا عَدّاسٌ جَالِسٌ عَلَيْهَا وَالنّاسُ يَمُرّونَ إذْ مَرّ عَلَيْهِ ابْنَا رَبِيعَةَ، فَوَثَبَ إلَيْهِمَا فَأَخَذَ بِأَرْجُلِهِمَا فِي غَرْزِهِمَا، وَهُوَ يَقُولُ بِأَبِي وَأُمّي أَنْتُمَا، وَاَللّهِ إنّهُ رَسُولُ اللّهِ وَمَا تُسَاقَانِ إلّا إلَى مَصَارِعِكُمَا وَإِنّ عَيْنَيْهِ لَتَسِيلُ دُمُوعُهُمَا عَلَى خَدّيْهِ فَأَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ أَيْضًا، ثُمّ مَضَيْت. وَمَرّ بِهِ الْعَاصُ1 بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ حِينَ وَلّى عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ فَقَالَ مَا يُبْكِيك؟ فَقَالَ يُبْكِينِي سَيّدَايَ وَسَيّدَا أَهْلِ الْوَادِي، يَخْرُجَانِ إلَى مَصَارِعِهِمَا، وَيُقَاتِلَانِ رَسُولَ اللّهِ. فَقَالَ الْعَاصُ وَإِنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ؟ قَالَ فَانْتَفَضَ عَدّاسٌ انْتِفَاضَةً وَاقْشَعَرّ جِلْدُهُ ثُمّ بَكَى وَقَالَ إي وَاَللّهِ إنّهُ لَرَسُولُ اللّهِ إلَى النّاسِ كَافّةً. قَالَ فَأَسْلَمَ الْعَاصُ بْنُ مُنَبّهٍ، ثُمّ مَضَى وَهُوَ عَلَى الشّكّ حَتّى قُتِلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى شَكّ وَارْتِيَابٍ. وَيُقَالُ رَجَعَ عَدّاسٌ وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا، وَيُقَالُ شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ - وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا.
قَالُوا : وَخَرَجَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا2 قَبْلَ بَدْرٍ فَنَزَلَ عَلَى أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأَتَاهُ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ أَتَنْزِلُ3 هَذَا، وَقَدْ آوَى مُحَمّدًا وَآذَنّا بِالْحَرْبِ؟ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: قُلْ مَا شِئْت، أَمَا إنّ طَرِيقَ عِيرِكُمْ عَلَيْنَا. قَالَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ: مَهْ لَا تَقُلْ هَذَا لِأَبِي الْحَكَمِ فَإِنّهُ سَيّدُ أَهْلِ الْوَادِي قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: وَأَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أُمَيّةُ أَمَا وَاَللّهِ لَسَمِعْت مُحَمّدًا يَقُولُ" لَأَقْتُلَن أُمَيّةَ بْنَ خَلَف " قَالَ أُمَيّةُ أَنْتَ سَمِعْته؟ قَالَ قُلْت: نَعَمْ.
1 في الأصل: "عاصم بن منبه". وما أثبتناه عن سائر النسخ وهكذا ذكره ابن إسحاق أيضا. "السيرة النبوية ج2، ص: 295".
2 في ت: "وخرج سعد بن معاذ إلى مكة قبل بدر".
3 في ت، ح: "أتترك هذا".
قَالَ فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ فَلَمّا جَاءَ النّفِيرُ أَبَى أُمَيّةُ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ إلَى بَدْرٍ، فَأَتَاهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَأَبُو جَهْلٍ. وَمَعَ عُقْبَةَ مِجْمَرَةٌ فِيهَا بَخُورٌ وَمَعَ أَبِي جَهْلٍ مُكْحُلَةٌ وَمِرْوَدٌ. فَأَدْخَلَهَا عُقْبَةُ تَحْتَهُ وَقَالَ تَبَخّرْ. فَإِنّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ اكْتَحِلْ. فَإِنّمَا أَنْتَ امْرَأَةٌ قَالَ أُمَيّةُ ابْتَاعُوا لِي أَفْضَلَ بَعِيرٍ فِي الْوَادِي. فَابْتَاعُوا لَهُ جَمَلًا بِثَلَاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ مِنْ نَعَمِ بَنِي قُشَيْرٍ فَغَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ. فَصَارَ فِي سَهْمِ خُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ1.
قَالُوا : وَمَا كَانَ أَحَدٌ مِمّنْ خَرَجَ إلَى الْعِيرِ أَكْرَهَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ. وَقَالَ لَيْتَ قُرَيْشًا تَعْزِمُ عَلَى الْقُعُودِ وَأَنّ مَالِي فِي الْعِيرِ تَلِفَ وَمَالَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَيْضًا. فَيُقَالُ إنّك سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِهَا، أَفَلَا تَزَعَهَا2 عَنْ الْخُرُوجِ؟ قَالَ إنّي أَرَى قُرَيْشًا قَدْ أَزْمَعَتْ عَلَى الْخُرُوجِ وَلَا أَرَى أَحَدًا بِهِ طِرْقٌ3 تَخَلّفَ إلّا مِنْ عِلّةٍ وَأَنَا أَكْرَهُ خِلَافَهَا، وَمَا أُحِبّ أَنْ تَعْلَمَ قُرَيْشٌ مَا أَقُولُ الْآنَ. مَعَ أَنّ ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ رَجُلٌ مَشْئُومٌ عَلَى قَوْمِهِ مَا أَعْلَمُهُ إلّا يُحْرِزُ4 قَوْمَهُ أَهْلَ يَثْرِبَ. وَلَقَدْ قَسَمَ مَالًا مِنْ مَالِهِ بَيْنَ وَلَدِهِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنّهُ لَا يَرْجِعُ إلَى مَكّةَ . وَجَاءَهُ ضَمْضَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَتْ لِلْحَارِثِ عِنْدَهُ أَيَادٍ. فَقَالَ أَبَا عَامِرٍ رَأَيْت رُؤْيَا كَرِهْتهَا، وَإِنّي كَالْيَقْظَانِ5 عَلَى رَاحِلَتِي، وَأَرَى كَأَنّ وَادِيَكُمْ يَسِيلُ دَمًا مِنْ أَسْفَلِهِ إلَى أَعْلَاهُ. قَالَ الْحَارِثُ مَا خَرَجَ أَحَدٌ وَجْهًا مِنْ الْوُجُوهِ أَكْرَهَ لَهُ مِنْ وَجْهِي هَذَا. قَالَ يَقُولُ ضَمْضَمٌ لَهُ وَاَللّهِ إنّي لَأَرَى أَنْ تَجْلِسَ. فَقَالَ الْحَارِثُ لَوْ سَمِعْت هَذَا منك
1 كذا في كل النسخ، وفي ابن إسحاق: "خبيب بن إساف". "السيرة النبوية ج2، ص:349". وهو ما أثبته ابن عبد البر أيضا. "الاستيعاب ص: 164".
2 في ح: "أفلا تردعها".
3 به طرق: أي به قوة. "القاموس المحيط ج3، ص: 257".
4 في ب: "إلا يحذر".
5 في ب: "وإني أراك كاليقظان".
قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مَا سِرْت خُطْوَةً فَاطْوِ هَذَا الْخَبَرَ أَنْ تَعْلَمَهُ قُرَيْشٌ، فَإِنّهَا تَتّهِمُ كُلّ مَنْ عَوّقَهَا عَنْ الْمَسِيرِ. وَكَانَ ضَمْضَمٌ قَدْ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْحَارِثِ بِبَطْنِ يَأْجَجَ1.
قَالُوا : وَكَرِهَتْ قُرَيْشٌ - أَهْلُ الرّأْيِ مِنْهُمْ - الْمَسِيرَ وَمَشَى بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَكَانَ مِنْ أَبْطَئِهِمْ2 عَنْ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ وَعَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبّهٍ، حَتّى بَكّتَهُمْ3 أَبُو جَهْلٍ بِالْجُبْنِ - وَأَعَانَهُ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ - فِي الْخُرُوجِ فَقَالُوا: هَذَا فِعْلُ النّسَاءِ فَأَجْمَعُوا الْمَسِيرَ. وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لَا تَدَعُوا أَحَدًا مِنْ عَدُوّكُمْ خَلْفَكُمْ.
قَالُوا : وَمِمّا اُسْتُدِلّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرٍ لِلْخُرُوجِ وَعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ أَنّهُ مَا عَرَضَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حُمْلَانًا، وَلَا حَمَلُوا أَحَدًا مِنْ النّاسِ. وَإِنْ كَانَ الرّجُلُ لَيَأْتِيهِمْ حَلِيفًا أَوْ عَدِيدًا وَلَا قُوّةَ لَهُ فَيَطْلُبُ الْحُمْلَانَ مِنْهُمْ فَيَقُولُونَ إنْ كَانَ لَك مَالٌ فَأَحْبَبْت أَنْ تَخْرُجَ فَافْعَلْ وَإِلّا فَأَقِمْ حَتّى كَانَتْ قُرَيْشٌ تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُمْ.
فَلَمّا أَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ الْمَسِيرَ ذَكَرُوا الّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي بَكْرٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَخَافُوهُمْ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ وَكَانَ أَشَدّهُمْ خَوْفًا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، فَكَانَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّكُمْ وَإِنْ ظَفِرْتُمْ بِاَلّذِي تُرِيدُونَ فَإِنّا
1 هو مكان على ثمانية أميال من مكة كما ذكر ياقوت، "معجم البلدان ج8، ص: 490".
2 في الأصل، ت، ث، ح: "أبطأ بهم". وما أثبتناه قراءة نسخة ب.
3 في ت: "حتى نكتهم".
لَا نَأْمَنُ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ إنّمَا تَخَلّفَ نِسَاءٌ وَذُرّيّةٌ. وَمَنْ لَا طَعْمَ1 بِهِ فَارْتَأَوْا آرَاءَكُمْ2 فَتَصَوّرَ لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيّ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ. قَدْ عَرَفْتُمْ شَرَفِي وَمَكَانِي فِي قَوْمِي ; أَنَا لَكُمْ جَارٍ أَنْ تَأْتِيَكُمْ كِنَانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَطَابَتْ نَفْسُ عُتْبَةَ وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ فَمَا تُرِيدُ؟ هَذَا سَيّدُ كِنَانَةَ وَهُوَ لَنَا جَارٍ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ. فَقَالَ عُتْبَةُ لَا شَيْءَ أَنَا خَارِجٌ
وَكَانَ الّذِي بَيْنَ بَنِي كِنَانَة وَقُرَيْش فِيمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ فِرَاسٍ اللّيْثِيّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ زَيْدٍ اللّيْثِيّ أَنّ ابْنًا لِحَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ أَحَدِ بَنِي مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ خَرَجَ يَبْغِي ضَالّةً لَهُ وَهُوَ غُلَامٌ فِي رَأْسِهِ ذُؤَابَةٌ وَعَلَيْهِ حُلّةٌ وَكَانَ غُلَامًا وَضِيئًا، فَمَرّ بِعَامِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُلَوّحِ بْنِ يَعْمُرَ، وَكَانَ بِضَجْنَانَ3، فَقَالَ مَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ ابْنٌ لِحَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ. فَقَالَ يَا بَنِي بَكْرٍ، لَكُمْ فِي قُرَيْشٍ دَمٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ مَا كَانَ رَجُلٌ يَقْتُلُ هَذَا بِرَجُلِهِ إلّا اسْتَوْفَى. فَأَتْبَعَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ فَقَتَلَهُ بِدَمٍ كَانَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ. فَتَكَلّمَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ يَزِيدَ قَدْ كَانَتْ لَنَا فِيكُمْ دِمَاءٌ فَمَا شِئْتُمْ؟ فَإِنْ شِئْتُمْ فَأَدّوا مَا لَنَا قِبَلَكُمْ وَنُؤَدّي إلَيْكُمْ مَا كَانَ فِينَا، وَإِنْ شِئْتُمْ فَإِنّمَا هُوَ الدّمُ رَجُلٌ بِرَجُلٍ وَإِنْ شِئْتُمْ فَتَجَافَوْا عَنّا فِيمَا قِبَلَنَا، وَنَتَجَافَى عَنْكُمْ فِيمَا قِبَلَكُمْ. فَهَانَ ذَلِكَ الْغُلَامُ عَلَى قُرَيْشٍ، وَقَالُوا: صَدَقَ رَجُلٌ بِرَجُلٍ فَلَهَوْا عَنْهُ أَنْ يَطْلُبُوا بِدَمِهِ. فَبَيْنَا أَخُوهُ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ بِمَرّ الظّهْرَانِ، إذْ نَظَرَ إلَى عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ وَهُوَ سَيّدُ بَنِي بَكْرٍ عَلَى جَمَلٍ لَهُ فَلَمّا رَآهُ قَالَ مَا أَطْلُبُ أَثَرًا بَعْدَ عين
1 الطعم بالضم: الطعام والقدرة. "القاموس المحيط ج4، ص:144".
2 في ت: "رأيكم".
3 ضجنان: جبل بناحية مكة على طريق المدينة. "معجم ما استعجم ص: 618".
وَأَنَاخَ بَعِيرَهُ وَهُوَ مُتَوَشّحٌ بِسَيْفِهِ فَعَلَاهُ بِهِ حَتّى قَتَلَهُ ثُمّ أَتَى مَكّةَ مِنْ اللّيْلِ فَعَلّقَ سَيْفَ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ الّذِي قَتَلَهُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَلَمّا أَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ رَأَوْا سَيْفَ عَامِرِ بْنِ يَزِيدَ فَعَرَفُوا أَنّ مِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ قَتَلَهُ وَكَانَ يُسْمَعُ مِنْ مِكْرَزٍ فِي ذَلِكَ قَوْلُ1. وَجَزِعَتْ بَنُو بَكْرٍ مِنْ قَتْلِ سَيّدِهَا، فَكَانَتْ مُعِدّةً لِقَتْلِ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ، سَيّدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ مِنْ سَادَاتِهَا.
فَجَاءَ النّفِيرُ وَهُمْ عَلَى هَذَا مِنْ الْأَمْرِ فَخَافُوهُمْ عَلَى مَنْ تَخَلّفَ بِمَكّةَ مِنْ ذَرَارِيّهِمْ فَلَمّا قَالَ سُرَاقَةُ مَا قَالَ وَهُوَ يَنْطِقُ بِلِسَانِ إبْلِيسَ شَجُعَ الْقَوْمُ وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ سِرَاعًا. وَخَرَجُوا بِالْقِيَانِ وَالدّفَافِ سَارّةِ مَوْلَاةِ عَمْرِو بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطّلِبِ وَعَزّةَ مَوْلَاةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ وَمَوْلَاةِ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، يُغَنّينَ فِي كُلّ مَنْهَلٍ وَيَنْحَرُونَ الْجُزُرَ. وَخَرَجُوا بِالْجَيْشِ2 يَتَقَاذَفُونَ بِالْحِرَابِ وَخَرَجُوا بِتِسْعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ مُقَاتِلًا، وَقَادُوا مِائَةَ فَرَسٍ بَطَرًا وَرِئَاءَ النّاسِ كَمَا ذَكَرَ اللّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ {وَلَا تَكُونُوا كَالّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النّاسِ...} 3 إلَى آخِرِ الْآيَةِ. وَأَبُو جَهْلٍ يَقُولُ أَيَظُنّ مُحَمّدٌ أَنْ يُصِيبَ مِنّا مَا أَصَابَ بِنَخْلَةَ وَأَصْحَابُهُ؟ سَيَعْلَمُ أَنَمْنَعُ4 عِيرَنَا أَمْ لَا وَكَانَتْ الْخَيْلُ لِأَهْلِ الْقُوّةِ مِنْهُمْ وَكَانَ فِي بَنِي مَخْزُومٍ مِنْهَا ثَلَاثُونَ فَرَسًا، وَكَانَتْ الْإِبِلُ سَبْعَمِائَةِ بَعِيرٍ وَكَانَ أَهْلُ الْخَيْلِ كُلّهُمْ دَارِعٌ. وَكَانُوا مِائَةً وَكَانَ فِي الرّجّالَةِ دُرُوعٌ سِوَى ذَلِكَ.
قَالُوا : وَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْعِيرِ وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا حِينَ دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ وَاسْتَبْطَئُوا ضَمْضَمًا وَالنّفِيرَ. فَلَمّا كَانَتْ اللّيْلَةُ الّتِي يُصْبِحُونَ فِيهَا عَلَى مَاءِ بَدْرٍ،
1 ذكر ابن إسحاق أبيات مكرز بن حفص في السيرة. "السيرة النبوية ج2، ص: 262".
2 في ب، ت: "الحبش".
3 سورة 8 الأنفال 47
4 في ت: "أمنع".
جَعَلَتْ الْعِيرُ تُقْبِلُ بِوَجْهِهَا1 إلَى مَاءِ بَدْرٍ . وَكَانُوا بَاتُوا2 مِنْ وَرَاءِ بَدْرٍ آخِرَ لَيْلَتِهِمْ وَهُمْ عَلَى أَنْ يُصْبِحُوا بَدْرًا إنْ لَمْ يَعْتَرِضْ لَهُمْ فَمَا أَقَرّتْهُمْ الْعِيرُ حَتّى ضَرَبُوهَا بِالْعُقُلِ عَلَى أَنّ بَعْضَهَا لَيُثْنَى بِعِقَالَيْنِ وَتُرَجّعُ الْحَنِينَ تَوَارُدًا إلَى مَاءِ بَدْرٍ ، وَمَا بِهَا إلَى الْمَاءِ حَاجَةٌ لَقَدْ شَرِبَتْ بِالْأَمْسِ. وَجَعَلَ أَهْلُ الْعِيرِ يَقُولُونَ إنّ هَذَا شَيْءٌ مَا صَنَعَتْهُ مُنْذُ خَرَجْنَا قَالُوا: وَغَشِيَتْنَا تِلْكَ اللّيْلَةَ ظُلْمَةٌ حَتّى مَا نُبْصِرُ شَيْئًا.
وَكَانَ بَسْبَسُ بْنُ عَمْرٍو، وَعَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ وَرَدَا عَلَى مَجْدِي بَدْرًا يَتَحَسّسَانِ3 الْخَبَرَ، فَلَمّا نَزَلَا مَاءَ بَدْرٍ أَنَاخَا رَاحِلَتَيْهِمَا إلَى قَرِيبٍ مِنْ الْمَاءِ ثُمّ أَخَذَا أَسْقِيَتَهُمَا يَسْتَقِيَانِ مِنْ الْمَاءِ فَسَمِعَا جَارِيَتَيْنِ مِنْ جَوَارِي جُهَيْنَةَ يُقَالُ لِإِحْدَاهُمَا بَرْزَةُ وَهِيَ تَلْزَمُ صَاحِبَتَهَا فِي دِرْهَمٍ كَانَ لَهَا عَلَيْهَا، وَصَاحِبَتُهَا تَقُولُ إنّمَا الْعِيرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَدٍ قَدْ نَزَلَتْ الرّوْحَاءَ . وَمَجْدِي بْنُ عَمْرٍو يَسْمَعُهَا فَقَالَ صَدَقَتْ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَسْبَسُ وَعَدِيّ انْطَلَقَا رَاجِعِينَ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتّى لَقِيَاهُ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ4 فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ أَخْبَرَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ وَكَانَ أَحَدَ الْبَكّائِينَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَقَدْ سَلَكَ فَجّ الرّوْحَاءِ مُوسَى النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَصَلّوْا فِي الْمَسْجِدِ الّذِي بِعِرْقِ الظّبْيَةِ "- وَهِيَ مِنْ الرّوْحَاءِ عَلَى مِيلَيْنِ مِمّا يَلِي الْمَدِينَةَ إذَا خَرَجْت عَلَى يَسَارِك. فَأَصْبَحَ أَبُو سُفْيَانَ تِلْكَ اللّيْلَةَ بِبَدْرٍ قَدْ تَقَدّمَ الْعِيرَ وَهُوَ خَائِفٌ
1 هكذا في الأصل. وفي ب، ت، ح: "بوجوهها".
2 في ب، ت: "وكانوا يأتون".
3 في ت: "يتحسبان".
4 وهو من الروحاء على ميلين كما يذكر الواقدي بعد.
مِنْ الرّصَدِ فَقَالَ يَا مَجْدِي، هَلْ أَحْسَسْت أَحَدًا؟ تَعْلَمُ وَاَللّهِ مَا بِمَكّةَ مِنْ قُرَشِيّ وَلَا قُرَشِيّةٍ لَهُ نَشّ فَصَاعِدًا - وَالنّشّ نِصْفُ أُوقِيّةٍ وَزْنُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا - إلّا وَقَدْ بَعَثَ بِهِ مَعَنَا، وَلَئِنْ كَتَمْتنَا شَأْنَ عَدُوّنَا لَا يُصَالِحُك رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَا بَلّ بَحْرٌ صُوفَةً. فَقَالَ مَجْدِي: وَاَللّهِ مَا رَأَيْت أَحَدًا أُنْكِرُهُ وَلَا بَيْنَك وَبَيْنَ يَثْرِبَ مِنْ عَدُوّ وَلَوْ كَانَ بَيْنَك وَبَيْنَهَا عَدُوّ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا. وَمَا كُنْت لَأُخْفِيهِ عَلَيْك، إلّا أَنّي قَدْ رَأَيْت رَاكِبَيْنِ أَتَيَا إلَى هَذَا الْمَكَانِ - فَأَشَارَ إلَى مُنَاخِ عَدِيّ وَبَسْبَسٍ - فَأَنَاخَا بِهِ ثُمّ اسْتَقَيَا بِأَسْقِيَتِهِمَا، ثُمّ انْصَرَفَا. فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ مُنَاخَهُمَا، فَأَخَذَ أَبْعَارًا مِنْ بَعِيرَيْهِمَا فَفَتّهُ فَإِذَا فِيهِ نَوَى، فَقَالَ هَذِهِ وَاَللّهِ عَلَائِفُ يَثْرِبَ ، هَذِهِ عُيُونُ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ مَا أَرَى الْقَوْمَ إلّا قَرِيبًا فَضَرَبَ وَجْهَ عِيرِهِ فَسَاحَلَ بِهَا، وَتَرَكَ بَدْرًا يَسَارًا، وَانْطَلَقَ سَرِيعًا. وَأَقْبَلَتْ قُرَيْش مِنْ مَكّةَ يَنْزِلُونَ كُلّ مَنْهَلٍ يُطْعِمُونَ الطّعَامَ مَنْ أَتَاهُمْ وَيَنْحَرُونَ الْجُزُرَ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ فِي مَسِيرِهِمْ إذْ تَخَلّفَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَهُمَا يَتَحَدّثَانِ1 قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَلَمْ تَرَ إلَى رُؤْيَا عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ؟ لَقَدْ خَشِيت مِنْهَا. قَالَ الْآخَرُ فَاذْكُرْهَا2 فَذَكَرَهَا، فَأَدْرَكَهُمَا أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ مَا تُحَدّثَانِ بِهِ؟ قَالَا: نَذْكُرُ رُؤْيَا عَاتِكَةَ. فَقَالَ يَا عَجَبًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ لَمْ تَرْضَ أَنْ تَتَنَبّأَ عَلَيْنَا رِجَالُهُمْ حَتّى تَتَنَبّأَ عَلَيْنَا النّسَاءُ أَمَا وَاَللّهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى مَكّةَ لَنَفْعَلَنّ بِهِمْ وَلَنَفْعَلَنّ قَالَ عُتْبَةُ إنّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَقَرَابَةً قَرِيبَةً. قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ هَلْ لَك أَنْ تَرْجِعَ؟ قَالَ أَبُو جَهْلٍ أَتَرْجِعَانِ بَعْدَ مَا سِرْتُمَا، فَتَخْذُلَانِ قَوْمَكُمَا، وَتَقْطَعَانِ بِهِمْ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُمْ ثَأْرَكُمْ بِأَعْيُنِكُمْ؟ أَتَظُنّانِ أَنّ محمدا وأصحابه
1 في ح: "يترددان".
2 في ت: "فاذكرها فأدركهما".
يُلَاقُونَكُمَا؟ كَلّا وَاَللّهِ أَلَا فَوَاَللّهِ إنّ مَعِي مِنْ قَوْمِي مِائَةً وَثَمَانِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَحِلّونَ إذَا حَلَلْت، وَيَرْحَلُونَ إذَا رَحَلْت، فَارْجِعَا إنْ شِئْتُمَا قَالَا: وَاَللّهِ لَقَدْ هَلَكْت وَأَهْلَكْت قَوْمَك ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ لِأَخِيهِ شَيْبَةَ هَذَا رَجُلٌ مَشْئُومٌ - يَعْنِي أَبَا جَهْلٍ - وَإِنّهُ لَا يَمَسّهُ مِنْ قَرَابَةِ مُحَمّدٍ مَا يَمَسّنَا، مَعَ أَنّ مُحَمّدًا مَعَهُ الْوَلَدُ فَارْجِعْ بِنَا وَدَعْ قَوْلَهُ قَالَ شَيْبَةُ تَكُونُ وَاَللّهِ سُبّةٌ عَلَيْنَا يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَنْ نَرْجِعَ الْآنَ بَعْدَ مَا سِرْنَا فَمَضَيَا. ثُمّ انْتَهَوْا إلَى الْجُحْفَةِ1 عِشَاءً فَنَامَ جُهَيْمُ بْنُ الصّلْتِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَ إنّي أَرَى أَنّي بَيْنَ النّائِمِ وَالْيَقْظَانِ أَنْظُرُ إلَى رَجُلٍ أَقْبَلَ عَلَى فَرَسٍ مَعَهُ بَعِيرٌ حَتّى وَقَفَ عَلَيّ فَقَالَ قُتِلَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَزَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ وَأَبُو الْحَكَمِ، وَنَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ فِي رِجَالٍ سَمّاهُمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَفَرّ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَخِيهِ. قَالَ يَقُولُ قَائِلٌ مِنْهُمْ وَاَللّهِ إنّي لَأَظُنّكُمْ الّذِينَ تَخْرُجُونَ إلَى مَصَارِعِكُمْ قَالَ ثُمّ أَرَاهُ ضَرَبَ فِي لَبّةِ بَعِيرِهِ فَأَرْسَلَهُ فِي الْعَسْكَرِ فَمَا بَقِيَ خِبَاءٌ مِنْ أَخْبِيَةِ الْعَسْكَرِ إلّا أَصَابَهُ بَعْضُ دَمِهِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِأَبِي جَهْلٍ وَشَاعَتْ هَذِهِ الرّؤْيَا فِي الْعَسْكَرِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذَا نَبِيّ آخَرُ مِنْ بَنِي الْمُطّلِبِ، سَيَعْلَمُ غَدًا مَنْ الْمَقْتُولُ نَحْنُ أَوْ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ لِجُهَيْمٍ إنّمَا يَلْعَبُ بِك2 الشّيْطَانُ فِي مَنَامِك، فَسَتَرَى غَدًا خِلَافَ مَا تَرَى، يُقْتَلُ أَشْرَافُ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ وَيُؤْسَرُونَ. قَالَ فَخَلَا عُتْبَةُ بِأَخِيهِ فَقَالَ هَلْ لَك فِي الرّجُوعِ؟ فَهَذِهِ الرّؤْيَا مِثْلُ رُؤْيَا عَاتِكَةَ، وَمِثْلُ قَوْلِ عَدّاسٍ، وَاَللّهِ مَا كَذَبَنَا عَدّاسٌ، وَلِعَمْرِي لَئِنْ كَانَ مُحَمّدٌ كَاذِبًا إنّ فِي العرب لمن
1 الجحفة: كانت قرية كبيرة على طريق المدينة، من مكة على أربع مراحل. "معجم البلدان ج3، ص: 62".
2 في الأصل: "تغلب بك".
يَكْفِينَاهُ وَلَئِنْ كَانَ صَادِقًا إنّا لَأَسْعَدِ الْعَرَبِ بِهِ إنّا لَلُحْمَتُهُ. قَالَ شَيْبَةُ هُوَ عَلَى مَا تَقُولُ أَفَنَرْجِعُ مِنْ بَيْنِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ؟ فَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ وَهُمَا عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ مَا تُرِيدَانِ؟ قَالَا: الرّجُوعَ أَلَا تَرَى إلَى رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَإِلَى رُؤْيَا جُهَيْمِ بْنِ الصّلْتِ مَعَ قَوْلِ عَدّاسٍ لَنَا؟ فَقَالَ تَخْذُلَانِ وَاَللّهِ قَوْمَكُمَا، وَتَقْطَعَانِ بِهِمْ. قَالَا: هَلَكْت وَاَللّهِ وَأَهْلَكْت قَوْمَك فَمَضَيَا عَلَى ذَلِكَ.
فَلَمّا أَفْلَتَ أَبُو سُفْيَانَ بِالْعِيرِ وَرَأَى أَنْ قَدْ أَجْزَرَهَا1، أَرْسَلَ إلَى قُرَيْشٍ قَيْسَ بْنَ امْرِئِ الْقَيْسِ - وَكَانَ مَعَ أَصْحَابِ الْعِيرِ خَرَجَ مَعَهُمْ مِنْ مَكّةَ - فَأَرْسَلَهُ أَبُو سُفْيَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالرّجُوعِ وَيَقُولُ قَدْ نَجَتْ عِيرُكُمْ فَلَا تُجْزِرُوا2 أَنْفُسَكُمْ أَهْلَ يَثْرِبَ، فَلَا حَاجَةَ لَكُمْ فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ إنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوا عِيرَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَقَدْ نَجّاهَا اللّهُ. فَإِنْ أَبَوْا عَلَيْك، فَلَا يَأْبَوْنَ خَصْلَةً وَاحِدَةً يَرُدّونَ الْقِيَانَ فَإِنّ الْحَرْبَ إذَا أَكَلَتْ نَكَلَتْ3. فَعَالَجَ قُرَيْشًا وَأَبَتْ الرّجُوعَ وَقَالُوا: أَمّا الْقِيَانُ فَسَنَرُدّهُنّ فَرَدّوهُنّ مِنْ الْجُحْفَةِ . وَلَحِقَ الرّسُولُ أَبَا سُفْيَان بِالْهَدّةِ - وَالْهَدّةُ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ عَقَبَةِ عُسْفَانَ عَلَى تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا مِنْ مَكّةَ - فَأَخْبَرَهُ بِمُضِيّ قُرَيْش، فَقَالَ وَاقَوْمَاه هَذَا عَمَلُ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ كَرِهَ أَنْ يَرْجِعَ لِأَنّهُ قَدْ تَرَأّسَ عَلَى النّاسِ وَبَغَى، وَالْبَغْيُ مَنْقَصَةٌ وَشُؤْمٌ. إنْ أَصَابَ أَصْحَابُ مُحَمّدٍ النّفِيرَ ذَلَلْنَا إلَى أَنْ يَدْخُلَ مَكّةَ . وَكَانَتْ الْقِيَانُ سَارّةُ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ وَمَوْلَاةٌ كَانَتْ لِأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ وَمَوْلَاةٌ يُقَالُ لَهَا عَزّةُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ. وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ. لَا وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ
1 في ث: "أن قد نجا بالعير".
2 في ح: "فلا تحرزوا". ويقال أجزرتك شاة إذا دفعت إليك شاة تذبحها. "مقاييس اللغة ج1، ص: 456". والمعنى هنا: لا تجعلوا أنفسكم ذبائح.
3 في الأصل: "إذا أوكلت اتكلت". وفي ت: "إذ ا أكلت انككلت". وما أثبتناه هو قراءة ب.
حَتّى نَرِدَ بَدْرًا - وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْجَاهِلِيّةِ يَجْتَمِعُ بِهَا الْعَرَبُ، لَهَا بِهَا سُوقٌ - تَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا، فَنُقِيمُ ثَلَاثًا عَلَى بَدْرٍ نَنْحَرُ الْجُزُرَ وَنُطْعِمُ الطّعَامَ وَنَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتَعْزِفُ الْقِيَانُ عَلَيْنَا، فَلَنْ تَزَالَ الْعَرَبُ تَهَابُنَا أَبَدًا.
وَكَانَ الْفُرَاتُ بْنُ حَيّانَ الْعِجْلِيّ أَرْسَلَتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ فَصَلَتْ مِنْ مَكّةَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يُخْبِرُهُ بِمَسِيرِهَا وَفُصُولِهَا، وَمَا قَدْ حَشَدَتْ. فَخَالَفَ أَبَا سُفْيَانَ وَذَلِكَ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ لَصِقَ بِالْبَحْرِ وَلَزِمَ فُرَاتَ الْمَحَجّةِ، فَوَافَى الْمُشْرِكِينَ بِالْجُحْفَةِ، فَسَمِعَ كَلَامَ أَبِي جَهْلٍ بِالْجُحْفَةِ وَهُوَ يَقُولُ لَا نَرْجِعُ فَقَالَ مَا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِك رَغْبَةً وَإِنّ الّذِي يَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ رَأَى ثَأْرَهُ مِنْ كَثَبٍ لَضَعِيفٌ فَمَضَى مَعَ قُرَيْشٍ، وَتَرَكَ أَبَا سُفْيَانَ فَجُرِحَ يَوْمَ بَدْرٍ جِرَاحَاتٍ وَهَرَبَ عَلَى قَدَمَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ أَمْرًا أَنْكَدُ إنّ ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ لَغَيْرُ مُبَارَكِ الْأَمْرِ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أُمّ بَكْرِ بِنْتِ الْمِسْوَرِ عَنْ أَبِيهَا، قَالَ قَالَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وَكَانَ اسْمُهُ أُبَيّا1، وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي زُهْرَةَ - فَقَالَ يَا بَنِي زُهْرَةَ قَدْ نَجّى اللّهُ عِيرَكُمْ وَخَلّصَ أَمْوَالَكُمْ وَنَجّى صَاحِبَكُمْ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ وَإِنّمَا خَرَجْتُمْ لِتَمْنَعُوهُ وَمَالَهُ. وَإِنّمَا مُحَمّدٌ رَجُلٌ مِنْكُمْ ابْنُ أُخْتِكُمْ فَإِنْ يَكُ نَبِيّا فَأَنْتُمْ أَسْعَدُ بِهِ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا يَلِي قَتْلَهُ غَيْرُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَلُوا قَتْلَ ابْنِ أُخْتِكُمْ فَارْجِعُوا وَاجْعَلُوا جُبْنَهَا2 بِي، فَلَا حَاجَةَ لَكُمْ أَنْ تَخْرُجُوا فِي غَيْرِ مَنْفَعَةٍ3 لَا مَا يَقُولُ هَذَا الرّجُلُ فَإِنّهُ مُهْلِكٌ قَوْمَهُ سَرِيعٌ فِي فَسَادِهِمْ فَأَطَاعُوهُ وَكَانَ فِيهِمْ مطاعا، وكانوا
1 في ت: "وكان أعرابيا وكان حليفا".
2 في ح: "خبثها لي".
3 في الأصل، ت: "غير صنعة". وفي ح: "غير ما يهمكم:. والمثبت من ب.
يَتَيَمّنُونَ بِهِ قَالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِالرّجُوعِ إنْ نَرْجِعُ؟ قَالَ الْأَخْنَسُ نَخْرُجُ مَعَ الْقَوْمِ فَإِذَا أَمْسَيْت سَقَطْت عَنْ بَعِيرِي فَتَقُولُونَ نَهَشَ1 الْأَخْنَسُ فَإِذَا قَالُوا امْضُوا فَقُولُوا لَا نُفَارِقُ صَاحِبَنَا حَتّى نَعْلَمَ أَهُوَ حَيّ أَمْ مَيّتٌ فَنَدْفِنُهُ فَإِذَا مَضَوْا رَجَعْنَا. فَفَعَلَتْ بَنُو زُهْرَةَ. فَلَمّا أَصْبَحُوا بِالْأَبْوَاءِ رَاجِعِينَ تَبَيّنَ لِلنّاسِ أَنّ بَنِي زُهْرَةَ رَجَعُوا، فَلَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ. قَالُوا: وَكَانُوا مِائَةً أَوْ أَقَلّ مِنْ الْمِائَةِ وَهُوَ أَثْبَتُ وَقَدْ قَالَ قَائِلٌ كَانُوا ثَلَثَمِائَةٍ. وَقَالَ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ فِي مُنْحَدَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ بَدْرٍ، وَانْتَشَرَتْ الرّكَابُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ عَدِيّ يَقُولُ:
أَقِمْ لَهَا صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ ... إنّ مَطَايَا2 الْقَوْمِ لَا تُحَبّسُ
وَحَمْلُهَا عَلَى الطّرِيقِ أَكْيَسُ ... قَدْ نَصَرَ اللّهُ وَفَرّ الْأَخْنَسُ
حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثّلْجِيّ، قَالَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ قَالَ خَرَجَتْ بَنُو عَدِيّ مَعَ النّفِيرِ حَتّى كَانُوا بِثَنِيّةِ لَفْتٍ3، فَلَمّا كَانُوا فِي السّحَرِ عَدَلُوا فِي السّاحِلِ مُنْصَرِفِينَ إلَى مَكّةَ، فَصَادَفَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا بَنِي عَدِيّ كَيْفَ رَجَعْتُمْ لَا فِي الْعِيرِ وَلَا فِي النّفِيرِ؟ قَالُوا: أَنْتَ أَرْسَلْت إلَى قُرَيْشٍ أَنْ تَرْجِعَ فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَمَضَى مَنْ مَضَى فَلَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَدِيّ. وَيُقَالُ إنّهُ لَاقَاهُمْ بِمَرّ الظّهْرَانِ فَقَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ لَهُمْ. قَالَ مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ. رَجَعَتْ زُهْرَةُ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَأَمّا بَنُو عَدِيّ فَرَجَعُوا مِنْ الطّرِيقِ وَيُقَالُ مِنْ مر الظهران.
1 في ح: "نحل". ونهش: أي نهس أو لسع. "القاموس المحيط ج2، ص: 291".
2 المطايا: أشراف القوم. "شرح أبي ذر ص: 162".
3 قال البكري: لفت بفتح أوله وكسره وسكون الفاء موضع بين مكة والمدينة. "معجم ما استعجم ص: 494".
وَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ صَبِيحَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ، فَجَاءَ أَعْرَابِيّ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ تِهَامَةَ ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لَك عِلْمٌ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ؟ قَالَ مَا لِي بِأَبِي سُفْيَانَ عِلْمٌ. قَالُوا: تَعَالَ سَلّمْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ وَفِيكُمْ رَسُولُ اللّهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ فَأَيّكُمْ رَسُولُ اللّهِ؟ قَالُوا: هَذَا. قَالَ أَنْتَ رَسُولُ اللّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ" . قَالَ الْأَعْرَابِيّ: فَمَا فِي بَطْنِ نَاقَتِي هَذِهِ إنْ كُنْت صَادِقًا؟ قَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ: نَكَحْتهَا فَهِيَ حُبْلَى مِنْك فَكَرِهَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ
ثُمّ سَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتّى أَتَى الرّوْحَاءَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِلنّصْفِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَلّى عِنْدَ بِئْرِ الرّوْحَاءِ.
حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثّلْجِيّ قَالَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ وِتْرِهِ لَعَنَ الْكَفَرَةَ وَقَالَ: "اللّهُمّ لَا تُفْلِتَن أَبَا جَهْلٍ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمّةِ اللّهُمّ لَا تُفْلِتَن زَمَعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ، اللّهُمّ وَأَسْخِنْ عَيْنَ أَبِي زَمَعَةَ بِزَمَعَةَ اللّهُمّ أَعْمِ بَصَرَ أَبِي زَمَعَةَ اللّهُمّ لَا تُفْلِتَن سُهَيْلًا، اللّهُمّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ"
وَالْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ لَمْ يَدْعُ لَهُ يَوْمَئِذٍ أُسِرَ بِبَدْرٍ وَلَكِنّهُ لَمّا رَجَعَ مِنْ مَكّةَ بَعْدَ بَدْرٍ أَسْلَمَ، فَأَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إلَى الْمَدِينَةِ فَحُبِسَ فَدَعَا لَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ بالروحاء: "هذه سجاسج1
1 السجسج: الهواء الذي لا حر فيه ولا برد. "وفاء الوفاء ج2، ص: 321". وقال السهيلي: سميت سجسجا لأنها بين جبلين، وكل شيء بين شيئين فهو سجسج. "الروض الأنف ج2، ص: 63".
يَعْنِي وَادِيَ الرّوْحَاءِ - هَذَا أَفْضَلُ أَوْدِيَةِ الْعَرَبِ ".
قَالُوا: وَكَانَ خُبَيْبُ بْنُ يَسَافٍ رَجُلًا شُجَاعًا، وَكَانَ يَأْبَى الْإِسْلَامَ فَلَمّا خَرَجَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَدْرٍ خَرَجَ هُوَ وَقَيْسُ بْنُ مُحَرّثٍ وَهُمَا عَلَى دِينِ قَوْمِهِمَا، فَأَدْرَكَا النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَقِيقِ، وَخُبَيْبٌ مُقَنّعٌ بِالْحَدِيدِ فَعَرَفَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَحْتِ الْمِغْفَرِ فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَهُوَ يَسِيرُ إلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: " أَلَيْسَ بِخُبَيْبِ بْنِ يَسَافٍ "؟ قَالَ بَلَى قَالَ فَأَقْبَلَ خُبَيْبٌ حَتّى أَخَذَ بِبِطَانِ1 نَاقَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِقَيْسِ بْنِ مُحَرّثٍ - يُقَالُ قَيْسُ بْنُ الْمُحَرّثِ وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ – " مَا أَخْرَجَكُمَا مَعَنَا "؟ قَالَا: كُنْت ابْنَ أُخْتِنَا وَجَارَنَا، وَخَرَجْنَا مَعَ قَوْمِنَا لِلْغَنِيمَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَخْرُجَن مَعَنَا رَجُلٌ لَيْسَ عَلَى دِينِنَا ". قَالَ خُبَيْبٌ قَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنّي عَظِيمُ2 الْغِنَاءِ فِي الْحَرْبِ شَدِيدُ النّكَايَةِ فَأُقَاتِلُ مَعَك لِلْغَنِيمَةِ وَلَنْ أُسْلِمَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا، وَلَكِنْ أَسْلِمْ ثُمّ قَاتِلْ ". ثُمّ أَدْرَكَهُ بِالرّوْحَاءِ فَقَالَ أَسْلَمْت لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ وَشَهِدْت أَنّك رَسُولُ اللّهِ فَسُرّ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَقَالَ: " امْضِهِ " وَكَانَ عَظِيمَ الْغِنَاءِ فِي بَدْرٍ وَغَيْرِ بَدْرٍ. وَأَبَى قَيْسُ بْنُ مُحَرّثٍ أَنْ يُسْلِمَ وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَمّا قَدِمَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَدْرٍ أَسْلَمَ، ثُمّ شَهِدَ أُحُدًا فَقُتِلَ.
قَالُوا: وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَامَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمّ رَجَعَ وَنَادَى مُنَادِيهِ يَا مَعْشَرَ الْعُصَاةِ إنّي مُفْطِرٌ فَأَفْطِرُوا وذلك أنه
1 البطان للقتت: الحزام الذي يجعل تحت بطن البعير. "الصحاح ص: 2079".
2 في ب: "عظيم القدر والغناء".
قَدْ كَانَ قَالَ لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ " أَفْطِرُوا " فَلَمْ يَفْعَلُوا.
قَالُوا: وَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتّى إذَا كَانَ دُوَيْنَ بَدْرٍ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِمَسِيرِ قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَسِيرِهِمْ وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النّاسَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ثُمّ قَامَ عُمَرُ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ثُمّ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهَا وَاَللّهِ قُرَيْشٌ وَعِزّهَا، وَاَللّهِ مَا ذَلّتْ مُنْذُ عَزّتْ وَاَللّهِ مَا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ وَاَللّهِ لَا تُسْلِمُ عِزّهَا أَبَدًا، وَلَتُقَاتِلَنك، فَاتّهِبْ لِذَلِكَ أُهْبَتَهُ وَأَعِدّ لِذَلِكَ عُدّتَهُ. ثُمّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ امْضِ لِأَمْرِ اللّهِ فَنَحْنُ مَعَك، وَاَللّهِ لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِنَبِيّهَا: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إِنّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} 1، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ سِرْت بِنَا إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ لَسِرْنَا مَعَك - وَبِرْكُ الْغِمَادِ مِنْ وَرَاءِ مَكّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ مِنْ وَرَاءِ السّاحِلِ مِمّا يَلِي الْبَحْرَ وَهُوَ عَلَى ثَمَانِ لَيَالٍ مِنْ مَكّةَ إلَى الْيَمَنِ . فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا، وَدَعَا لَهُ بِخَيْرٍ. ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَشِيرُوا عَلَيّ أَيّهَا النّاسُ " وَإِنّمَا يُرِيدُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَنْصَارَ، وَكَانَ يَظُنّ أَنّ الْأَنْصَارَ لَا تَنْصُرُهُ إلّا فِي الدّارِ وَذَلِكَ أَنّهُمْ شَرَطُوا لَهُ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَشِيرُوا عَلَيّ " فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ أَنَا أُجِيبُ عَنْ الْأَنْصَارِ ; كَأَنّك يَا رَسُولَ اللّهِ تُرِيدُنَا قَالَ: " أَجَلْ ". قَالَ إنّك عَسَى أَنْ تَكُونَ خَرَجْت عَنْ أَمْرٍ قَدْ أُوحِيَ إلَيْك فِي غَيْرِهِ وَإِنّا قَدْ آمَنّا بِك وَصَدّقْنَاك، وَشَهِدْنَا أَنّ كُلّ مَا جِئْت بِهِ حَقّ، وَأَعْطَيْنَاك مَوَاثِيقَنَا وَعُهُودَنَا عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فَامْضِ يَا نبي الله فوالذي
1 سورة 5 المائدة 24
بَعَثَك بِالْحَقّ لَوْ اسْتَعْرَضْت هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك، مَا بَقِيَ مِنّا رَجُلٌ وَصِلْ مَنْ شِئْت، وَاقْطَعْ مَنْ شِئْت، وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْت، وَمَا أَخَذْت مِنْ أَمْوَالِنَا أَحَبّ إلَيْنَا مِمّا تَرَكْت. وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا سَلَكْت هَذَا الطّرِيقَ قَطّ، وَمَا لِي بِهَا مِنْ عِلْمٍ وَمَا نَكْرَهُ أَنْ يَلْقَانَا عَدُوّنَا غَدًا، إنّا لَصُبُرٌ عِنْدَ الْحَرْبِ صُدُقٌ عِنْدَ اللّقَاءِ لَعَلّ اللّهَ يُرِيك مِنّا مَا تَقَرّ بِهِ عَيْنُك.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا قَدْ خَلَفْنَا مِنْ قَوْمِنَا قَوْمًا مَا نَحْنُ بِأَشَدّ حُبّا لَك مِنْهُمْ. وَلَا أَطْوَعَ لَك مِنْهُمْ لَهُمْ رَغْبَةٌ فِي الْجِهَادِ وَنِيّةٌ وَلَوْ ظَنّوا يَا رَسُولَ اللّهِ أَنّك مُلَاقٍ عَدُوّا مَا تَخَلّفُوا، وَلَكِنْ إنّمَا ظَنّوا أَنّهَا الْعِيرُ. نَبْنِي لَك عَرِيشًا فَتَكُونُ فِيهِ وَنَعُدّ لَك رَوَاحِلَك، ثُمّ نَلْقَى عَدُوّنَا، فَإِنْ أَعَزّنَا اللّهُ وَأَظْهَرَنَا عَلَى عَدُوّنَا كَانَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَا، وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى جَلَسْت عَلَى رَوَاحِلِك فَلَحِقْت مَنْ وَرَاءَنَا. فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْرًا، وَقَالَ: " أَوْ يَقْضِي اللّهُ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ "
قَالُوا: فَلَمّا فَرَغَ سَعْدٌ مِنْ الْمَشُورَةِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " سِيرُوا عَلَى بَرَكَةِ اللّهِ فَإِنّ اللّهَ قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ. وَاَللّهِ لَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ ". قَالَ وَأَرَانَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَصَارِعَهُمْ يَوْمَئِذٍ هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، فَمَا عَدَا كُلّ رَجُلٍ مَصْرَعَهُ قَالَ فَعَلِمَ الْقَوْمُ أَنّهُمْ يُلَاقُونَ الْقِتَالَ وَأَنّ الْعِيرَ تُفْلِتُ وَرَجَوْا النّصْرَ لِقَوْلِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْمَاعِيلَ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَطِيّةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ فمن يومئذ
عَقَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَلْوِيَةَ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَأَظْهَرَ السّلَاحَ وَكَانَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِ لِوَاءٍ مَعْقُودٍ. وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرّوْحَاءِ ، فَسَلَكَ الْمَضِيقَ ثُمّ جَاءَ إلَى الْخَبِيرَتَيْنِ1 فَصَلّى بَيْنَهُمَا، ثُمّ تَيَامَنَ فَتَشَاءَمَ فِي الْوَادِي حَتّى مَرّ عَلَى خَيْفِ2 الْمُعْتَرِضَةِ فَسَلَكَ فِي ثَنِيّةِ الْمُعْتَرِضَةِ حَتّى سَلَكَ عَلَى التّيّا ; وَبِهَا لَقِيَ سُفْيَانَ الضّمْرِيّ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَعَجّلَ مَعَهُ قَتَادَةُ بْنُ النّعْمَانِ الظّفَرِيّ - وَيُقَالُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ كَعْبٍ الْمَازِنِيّ، وَيُقَالُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - فَلَقِيَ سُفْيَانَ الضّمْرِيّ عَلَى التّيّا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ الرّجُلُ "؟ فَقَالَ الضّمْرِيّ: بَلَى مَنْ أَنْتُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَأَخْبِرْنَا وَنُخْبِرْك " قَالَ الضّمْرِيّ: وَذَاكَ بِذَاكَ؟ قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَعَمْ " قَالَ الضّمْرِيّ: فَسَلُوا عَمّا شِئْتُمْ فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَخْبِرْنَا عَنْ قُرَيْش ". قَالَ الضّمْرِيّ: بَلَغَنِي أَنّهُمْ خَرَجُوا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا مِنْ مَكّةَ ، فَإِنْ كَانَ الّذِي أَخْبَرَنِي صَادِقًا فَإِنّهُمْ بِجَنْبِ هَذَا الْوَادِي. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَأَخْبِرْنَا عَنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ ". قَالَ خُبّرْت أَنّهُمْ خَرَجُوا مِنْ يَثْرِبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ الّذِي خَبّرَنِي صَادِقًا فَهُمْ بِجَانِبِ هَذَا الْوَادِي. قَالَ الضّمْرِيّ: فَمَنْ أَنْتُمْ؟ قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نَحْنُ مِنْ مَاءٍ ". وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْعِرَاقِ. فَقَالَ الضّمْرِيّ: مِنْ مَاءِ الْعِرَاقِ ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَصْحَابِهِ وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِمَنْزِلِ صَاحِبِهِ بَيْنَهُمْ قوز3 من رمل
1 هكذا في كل النسخ، ولعلها "الحبرتين"، وهما أطمان بالمدينة وذكرهما السمهودي. "وفاء الوفاء ج2، ص: 284".
2 الخيف: ما انحدر من غلظ الجبل وارتفع من مسيل الماء. "القاموس المحيط ج3، ص: 140".
3 القوز: المستدير من الرمل والكثيب المشرف. "القاموس المحيط ج2، ص: 188".
وَكَانَ قَدْ صَلّى بِالدّبَةِ1 ثُمّ صَلّى بِسَيَرٍ2 ثُمّ صَلّى بِذَاتِ أَجْدَالٍ3 ثُمّ صَلّى بِخَيْفِ عَيْنِ الْعَلَاءِ ثُمّ صَلّى بِالْخَبِيرَتَيْنِ ثُمّ نَظَرَ إلَى جَبَلَيْنِ فَقَالَ مَا اسْمُ هَذَيْنِ الْجَبَلَيْنِ؟ قَالُوا: مُسْلِحٌ وَمُخْرَى4. فَقَالَ مَنْ سَاكِنُهُمَا؟ قَالُوا: بَنُو النّارِ وَبَنُو حُرَاقٍ5. فَانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِ الْخَبِيرَتَيْنِ فَمَضَى حَتّى قَطَعَ الْخُيُوفَ وَجَعَلَهَا يَسَارًا حَتّى سَلَكَ فِي الْمُعْتَرِضَةِ وَلَقِيَهُ بَسْبَسٌ وَعَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ فَأَخْبَرَاهُ الْخَبَرَ.
وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَادِيَ6 بَدْرٍ عِشَاءَ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ فَبَعَثَ عَلِيّا وَالزّبَيْرَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ وَبَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو يَتَحَسّسُونَ عَلَى الْمَاءِ وَأَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى ظُرَيْبٍ7 فَقَالَ: " أَرْجُو أَنْ تَجِدُوا الْخَبَرَ عِنْدَ هَذَا الْقَلِيبِ الّذِي يَلِي الظّرَيْبَ " - وَالْقَلِيبُ بِئْرٌ بِأَصْلِ الظّرَيْبِ وَالظّرَيْبُ جَبَلٌ صَغِيرٌ. فَانْدَفَعُوا تِلْقَاءَ الظّرَيْبِ فَيَجِدُونَ عَلَى تِلْكَ الْقَلِيبِ الّتِي قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَوَايَا قُرَيْشٍ فِيهَا سُقّاؤُهُمْ ". وَلَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَأَفْلَتَ عَامّتُهُمْ وَكَانَ مِمّنْ عُرِفَ أَنّهُ أَفْلَتَ عُجَيْرٌ وَكَانَ أَوّلَ مَنْ جَاءَ قُرَيْشًا بِخَبَرِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَى فَقَالَ يَا آلَ غَالِبٍ هَذَا ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ وَأَصْحَابُهُ قَدْ أَخَذُوا سُقّاءَكُمْ فَمَاجَ الْعَسْكَرُ وَكَرِهُوا ما جاء به.
1 الدبة: بلد بين الأصافر وبدر. "معجم البلدان ج4، ص: 34".
2 سير: كثيب بين المدينة وبدر، "وفاء الوفاء ج2، ص: 327".
3 ذات أجدال: بمضيق الصفراء كما ذكر السمهودي. "وفاء الوفاء ج2، ص:308".
4 في الأصل: "مسلخ ومخزى" وما أثبتناه عن سائر النسخ، وابن إسحاق "السير النبوية، ج2، ص: 266".
5 هما بطنان من بني غفار كما ذكر ابن إسحاق. "السيرة النبوية ج2، ص: 266".
6 في ت: "أدنى بدر".
7 في الأصل: "ضريب" والتصحيح عن سائر النسخ. وهكذا ذكره ابن الأثير أيضا. "النهاية ج3، ص: 54".
قَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: وَكُنّا فِي خِبَاءٍ لَنَا عَلَى جَزُورٍ نَشْوِي مِنْ لَحْمِهَا، فَمَا هُوَ إلّا أَنْ سَمِعْنَا الْخَبَرَ، فَامْتَنَعَ الطّعَامُ مِنّا، وَلَقِيَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَلَقِيَنِي عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَقَالَ يَا أَبَا خَالِدٍ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا يَسِيرُ أَعْجَبَ مِنْ مَسِيرِنَا، إنّ عِيرَنَا قَدْ نَجَتْ وَإِنّا جِئْنَا إلَى قَوْمٍ فِي بِلَادِهِمْ بَغْيًا عَلَيْهِمْ. فَقَالَ عُتْبَةُ لِأَمْرٍ حُمّ وَلَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ هَذَا شُؤْمُ ابْنِ الْحَنْظَلِيّةِ يَا أَبَا خَالِدٍ أَتَخَافُ أَنْ يُبَيّتَنَا الْقَوْمُ؟ قُلْت: لَا آمَنُ ذَلِكَ. قَالَ فَمَا الرّأْيُ يَا أَبَا خَالِدٍ؟ قَالَ نَتَحَارَسُ حَتّى نُصْبِحَ وَتَرَوْنَ مَنْ1 وَرَاءَكُمْ. قَالَ عُتْبَةُ هَذَا الرّأْيُ قَالَ فَتَحَارَسْنَا حَتّى أَصْبَحْنَا. قَالَ أَبُو جَهْلٍ مَا هَذَا؟2 هَذَا عَنْ أَمْرِ عُتْبَةَ قَدْ كَرِهَ قِتَالَ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ إنّ هَذَا لَهُوَ الْعَجَبُ أَتَظُنّونَ أَنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ يَعْتَرِضُونَ لِجَمْعِكُمْ؟ وَاَللّهِ لَأَنْتَحِيَن نَاحِيَةً بِقَوْمِي، فَلَا يَحْرُسُنَا أَحَدٌ. فَتَنَحّى نَاحِيَةً وَالسّمَاءُ تُمْطِرُ عَلَيْهِ. يَقُولُ عُتْبَةُ إنّ هَذَا لَهُوَ النّكَدُ وَإِنّهُمْ قَدْ أَخَذُوا سُقّاءَكُمْ. وَأُخِذَ تِلْكَ اللّيْلَةَ يَسَارٌ غُلَامُ عُبَيْدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَسْلَمَ غُلَامُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، وَأَبُو رَافِعٍ غُلَامُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَأُتِيَ بِهِمْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي، فَقَالُوا: سُقّاءُ قُرَيْش بَعَثُونَا نَسْقِيهِمْ مِنْ الْمَاءِ. وَكَرِهَ الْقَوْمُ خَبَرَهُمْ وَرَجَوْا أَنْ يَكُونُوا لِأَبِي سُفْيَانَ وَأَصْحَابِ الْعِيرِ فَضَرَبُوهُمْ. فَلَمّا أَذَلْقُوهُمْ3 بِالضّرْبِ قَالُوا: نَحْنُ لِأَبِي سُفْيَانَ وَنَحْنُ فِي الْعِيرِ وَهَذِهِ الْعِيرُ بِهَذَا الْقَوْزِ4. فَيُمْسِكُونَ عَنْهُمْ فَسَلّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صلاته ثم قال:
1 هكذا في الأصل وفي ب، وت: "وترون من رأيكم" وفي ح: "وترون رأيكم".
2 الزيادة عن ب، ت.
3 في الأصل: "أتلفوهم" والتصحيح عن ب، ت. وأذلقوهم: أضعفوهم "القاموس المحيط ج3، ص: 234".
4 في الأصل: "الغور".
" إنْ صَدَقُوكُمْ ضَرَبْتُمُوهُمْ وَإِنْ كَذَبُوكُمْ تَرَكْتُمُوهُمْ " فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرُونَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ جَاءَتْ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَدَقُوكُمْ خَرَجَتْ قُرَيْشٌ تَمْنَعُ عِيرَهَا وَخَافُوكُمْ عَلَيْهَا ". ثُمّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السّقّاءِ فَقَالَ: " أَيْنَ قُرَيْشٌ "؟ قَالُوا: خَلْفَ هَذَا الْكَثِيبِ الّذِي تَرَى. قَالَ: "كَمْ هِيَ"؟ قَالُوا: كَثِيرٌ. قَالَ: " كَمْ عَدَدُهَا "؟ قَالُوا: لَا نَدْرِي كَمْ هُمْ. قَالَ: " كَمْ يَنْحَرُونَ "؟ قَالُوا: يَوْمًا عَشَرَةً وَيَوْمًا تِسْعَةً. قَالَ: " الْقَوْمُ مَا بَيْنَ الْأَلْفِ وَالتّسْعِمِائَةِ ". ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلسّقّاءِ: " مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكّةَ "؟ قَالُوا: لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ بِهِ طَعِمَ إلّا خَرَجَ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ: " هَذِهِ مَكّةُ، قَدْ أَلْقَتْ [إلَيْكُمْ] أَفْلَاذَ كَبِدِهَا " ثُمّ سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. هَلْ رَجَعَ أَحَدٌ مِنْهُمْ؟ قَالُوا: رَجَعَ ابْنُ أَبِي شَرِيقٍ بِبَنِي زُهْرَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَرْشَدُهُمْ وَمَا كَانَ بِرَشِيدٍ وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْت لَمُعَادِيًا لِلّهِ وَلِكِتَابِهِ" قَالَ: " أَحَدٌ غَيْرُهُمْ "؟ قَالُوا: بَنُو عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ.
ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: " أَشِيرُوا عَلَيّ فِي الْمَنْزِلِ ". فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَأَيْت هَذَا الْمَنْزِلَ أَمَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللّهُ فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدّمَهُ وَلَا نَتَأَخّرَ عَنْهُ أَمْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: " بَلْ هُوَ الرّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ ". قَالَ فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِمَنْزِلٍ انْطَلِقْ بِنَا إلَى أَدْنَى مَاءِ الْقَوْمِ فَإِنّي عَالِمٌ بِهَا وَبِقُلُبِهَا، بِهَا قَلِيبٌ قَدْ عَرَفْت عُذُوبَةَ مَائِهِ وَمَاءٌ كَثِيرٌ لَا يَنْزَحْ ثُمّ نَبْنِي عَلَيْهَا حَوْضًا وَنَقْذِفُ فِيهِ الْآنِيَةَ فَنَشْرَبُ وَنُقَاتِلُ وَنُغَوّرُ1 مَا سِوَاهَا مِنْ الْقُلُبِ.
1 في ت، ح: "ونعور". ونغور: نفسد. "شرح أبي ذر ص: 155".
حدثنا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ الرّأْيُ مَا أَشَارَ بِهِ الْحُبَابُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا حُبَابُ أَشَرْت بِالرّأْيِ " فَنَهَضَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَ كُلّ ذَلِكَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ بَعَثَ اللّهُ السّمَاءَ وَكَانَ الْوَادِي دَهْسًا - وَالدّهْسُ الْكَثِيرُ الرّمْلِ - فَأَصَابَنَا مَا لَبّدَ الْأَرْضَ وَلَمْ يَمْنَعْنَا مِنْ الْمَسِيرِ وَأَصَابَ قُرَيْشًا مَا لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا مِنْهُ وَإِنّمَا بَيْنَهُمْ قَوْزٌ مِنْ رَمْلٍ.
قَالُوا: وَأَصَابَ الْمُسْلِمِينَ تِلْكَ اللّيْلَةَ النّعَاسُ أُلْقِيَ عَلَيْهِمْ1 فَنَامُوا، وَمَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْمَطَرِ مَا يُؤْذِيهِمْ. قَالَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ: سُلّطَ عَلَيْنَا النّعَاسُ تِلْكَ اللّيْلَةَ حَتّى إنّي كُنْت لَأَتَشَدّدُ فَتَجْلِدُنِي الْأَرْضُ فَمَا أُطِيقُ إلّا ذَلِكَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى مِثْلِ تِلْكَ الْحَالِ. وَقَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ: رَأَيْتنِي وَإِنّ ذَقَنِي بَيْنَ يَدَيّ2 فَمَا أَشْعُرُ حَتّى أَقَعَ عَلَى جَنْبِي. قَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ مَالِكٍ: غَلَبَنِي النّوْمُ فَاحْتَلَمْت حَتّى اغْتَسَلْت آخِرَ اللّيْلِ. قَالُوا: فَلَمّا تَحَوّلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَنْزِلِ بَعْدَ أَنْ أَخَذَ السّقَاءَ أَرْسَلَ عَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ، فَأَطَافَا بِالْقَوْمِ ثُمّ رَجَعَا إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللّهِ الْقَوْمُ مَذْعُورُونَ فَزِعُونَ إنّ الْفَرَسَ لَيُرِيدُ أَنْ يَصْهَلَ فَيَضْرِبَ وَجْهَهُ مَعَ أَنّ السّمَاءَ تَسِحّ عَلَيْهِمْ.
فَلَمّا أَصْبَحُوا قَالَ نُبَيْهُ بْنُ الْحَجّاجِ، وَكَانَ رَجُلًا يُبْصِرُ الْأَثَرَ فقال
1 في ب: "ألقى الله عز وجل عليهم".
2 في ب، ت، ح: "ثديي".
هَذَا أَثَرُ ابْنِ سُمَيّةَ وَابْنِ أُمّ عَبْدٍ أَعْرِفُهُ قَدْ جَاءَ مُحَمّدٌ بِسُفَهَائِنَا وَسُفَهَاءِ أَهْلِ يَثْرِبَ ثُمّ قَالَ
لَمْ يَتْرُكِ الْجَوْعُ لَنَا مَبِيتَا ... لَا بُدّ أَنْ نَمُوت أَوْ نُمِيتَا
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ فَذَكَرْت قَوْلَ نُبَيْهِ بْنِ الْحَجّاجِ " لَمْ يَتْرُكِ الْجَوْعُ لَنَا مَبِيتَا " لِمُحَمّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فَقَالَ لَعَمْرِي لَقَدْ كَانُوا شِبَاعًا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي [أَبِي]1 أَنّهُ سَمِعَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ نَحَرْنَا تِلْكَ اللّيْلَةَ عَشْرَ جَزَائِرَ فَنَحْنُ فِي خِبَاءٍ مِنْ أَخْبِيَتِهِمْ نَشْوِي السّنَامَ وَالْكَبِدَ وَطِيبَةَ اللّحْمِ وَنَحْنُ نَخَافُ مِنْ الْبَيَاتِ فَنَحْنُ نَتَحَارَسُ إلَى أَنْ أَضَاءَ الْفَجْرُ فَأَسْمَعُ مُنَبّهًا يَقُولُ بَعْدَ أَنْ أَسْفَرَ [الصّبْحُ]2: هَذَا [أَثَرُ]3 ابْنِ سُمَيّةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَسْمَعُهُ يَقُولُ
لم يترك الجوع لَنَا مَبِيتَا ... لَا بُدّ أَنْ نَمُوت أَوْ نُمِيتَا
يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اُنْظُرُوا غَدًا إنْ لَقِينَا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَابْقَوْا فِي أَنْسَابِكُمْ4 هَؤُلَاءِ وَعَلَيْكُمْ بِأَهْلِ يَثْرِبَ، فَإِنّا إنْ نَرْجِعُ بِهِمْ إلَى مَكّةَ يُبْصِرُوا ضَلَالَتَهُمْ وَمَا فَارَقُوا مِنْ دِينِ آبَائِهِمْ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْقَلِيبِ بُنِيَ لَهُ عَرِيشٌ مِنْ جَرِيدٍ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ مُتَوَشّحَ السّيْفِ فَدَخَلَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ
فَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي بَكْر
1 الزيادة عن ب، ت.
2 الزيادة عن ب.
3 الزيادة عن ب، ت.
4 في ح: "فاتقوا على شبانكم وفتيانكم" وفي ب، ت: "فابقوا في شبانكم".
بْنِ حزم قَالَ صَفّ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ قُرَيْشٌ، وَطَلَعَتْ قُرَيْشٌ وَرَسُولُ اللّهِ يَصُفّهُمْ وَقَدْ أَتْرَعُوا حَوْضًا، يَفْرُطُونَ1 فِيهِ مِنْ السّحَرِ وَيَقْذِفُونَ فِيهِ الْآنِيَةَ. وَدَفَعَ رَايَتَهُ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ; فَتَقَدّمَ بِهَا إلَى مَوْضِعِهَا الّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَضَعَهَا فِيهِ. وَوَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إلَى الصّفُوفِ فَاسْتَقْبَلَ الْمَغْرِبَ وَجَعَلَ الشّمْسَ خَلْفَهُ وَأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ فَاسْتَقْبَلُوا الشّمْسَ, فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُدْوَةِ الشّامِيّةِ وَنَزَلُوا بِالْعُدْوَةِ الْيَمَانِيّةِ - عُدْوَتَا النّهْرِ وَالْوَادِي جَنْبَتَاهُ - فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ كَانَ هَذَا مِنْك عَنْ وَحْيٍ نَزَلَ إلَيْك فَامْضِ لَهُ وَإِلّا فَإِنّي أَرَى أَنْ تَعْلُوَ الْوَادِيَ فَإِنّي أَرَى رِيحًا قَدْ هَاجَتْ مِنْ أَعْلَى الْوَادِي، وَإِنّي أَرَاهَا بُعِثَتْ بِنَصْرِك. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ صَفَفْت صُفُوفِي وَوَضَعْت رَايَتِي، فَلَا أُغَيّرُ ذَلِكَ " ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: { إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} 2 بَعْضُهُمْ عَلَى إثْرِ بَعْض.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ قَالَ عَدّلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصّفُوفَ يَوْمَئِذٍ فَتَقَدّمَ سَوَادُ بْنُ غَزِيّةَ أَمَامَ الصّفّ فَدَفَعَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فِي بَطْنِ سَوَادِ بْنِ غَزْوَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَوِ3 يَا سَوَادُ" فَقَالَ لَهُ سَوَادُ أَوْجَعْتنِي،
1 في الأصل وب: "يقرظون فيه من الشجر" وما أثبتناه عن نسخة ت. وفرط الرجل إذا تقدم وسبق القوم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء والأرشية. "النهاية ج3، ص: 194".
2 سورة 8 الأنفال 9
3 في الأصل: "اسبق" وما أثبتناه عن سائر النسخ.
وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ نَبِيّا، أَقِدْنِي فَكَشَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ ثُمّ قَالَ: "اسْتَقِدْ" فَاعْتَنَقَهُ وَقَبّلَهُ وَقَالَ لَهُ: "مَا حَمَلَك عَلَى مَا صَنَعْت؟" فَقَالَ حَضَرَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ مَا قَدْ تَرَى، وَخَشِيت الْقَتْلَ فَأَرَدْت أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِي بِك، أَنْ أَعْتَنِقَك "1قَالُوا: وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوّي الصّفُوفَ يَوْمَئِذٍ وَكَأَنّمَا يُقَوّمُ بِهَا الْقِدَاحَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ: قَالَ فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَوْدٍ قَالَ سَمِعْت عَلِيّا عَلَيْهِ السّلَامُ يَقُولُ وَهُوَ يَخْطُبُ بِالْكُوفَةِ بَيْنَا أَنَا أَمِيحُ2 فِي قَلِيبِ بَدْرٍ - أَمِيحُ يَعْنِي أَسْتَقِي، وَهُوَ مَنْ يَنْزِعُ الدّلَاءَ وَهُوَ الْمَتْحُ أَيْضًا - جَاءَتْ رِيحٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطّ شِدّةً ثُمّ ذَهَبَتْ فَجَاءَتْ رِيحٌ أُخْرَى، لَمْ أَرَ مِثْلَهَا إلّا الّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا، ثُمّ جَاءَتْ رِيحٌ أُخْرَى، لَمْ أَرَ مِثْلَهَا إلّا الّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا ثُمّ جَاءَتْ رِيحٌ أُخْرَى، لَمْ أَرَ مِثْلَهَا إلّا الّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا، وَكَانَتْ الْأُولَى جِبْرِيلَ فِي أَلْفٍ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالثّانِيَةُ مِيكَائِيلَ فِي أَلْفٍ عَنْ مَيْمَنَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَتْ الثّالِثَةُ إسْرَافِيلَ فِي أَلْفٍ نَزَلَ عَنْ مَيْسَرَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْمَيْسَرَةِ فَلَمّا هَزَمَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ أَعْدَاءَهُ حَمَلَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَرَسِهِ فَجَمَزَتْ بِي3، فَلَمّا جَمَزَتْ خَرَرْت عَلَى عُنُقِهَا، فَدَعَوْت رَبّي فَأَمْسَكَنِي حَتّى اسْتَوَيْت: وَمَا لِي وَلِلْخَيْلِ وَإِنّمَا كُنْت صَاحِبَ
1 في الأصل، ت: "أن أكون آخر عهد بك وأن أعنفك " وفي ب: " أن أكون آخر الناس عهد بك وأن أعتنقك ". والمثبت أقرب لما في ابن اسحاق "ج2، ص: 279".
2 في ب: "أمتح".
3 في ب، ح: "فجرت بي فلما جرت". والجمز: هو العدو دون الحضر وفوق العنق. "القاموس المحيط ج2، ص: 169".
غَنَمٍ1 فَلَمّا اسْتَوَيْت طَعَنْت بِيَدِي هَذِهِ حَتّى اخْتَضَبَتْ مِنّي ذَا - يَعْنِي إبطه
قَالُوا : وَكَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمَيْمَنَةِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَكَانَ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ. فَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ عَلَى خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ. وَقَالَ قَائِلٌ كَانَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ الْحَارِثُ بْنُ عَامِرٍ وَعَلَى مَيْسَرَتِهِمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدٍ2.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَا: مَا كَانَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ - مَيْمَنَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ بَدْرٍ وَلَا عَلَى مَيْسَرَتِهِ أَحَدٌ يُسَمّى ; وَكَذَلِكَ مَيْمَنَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمَيْسَرَتُهُمْ مَا سَمِعْنَا فِيهَا بِأَحَدٍ. قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ: وَهَذَا الثّبْتُ عِنْدَنَا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ الْأَعْظَمَ - لِوَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ، وَلِوَاءُ الْخَزْرَجِ مَعَ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَلِوَاءُ الْأَوْسِ مَعَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَمَعَ قُرَيْشٍ ثَلَاثَةُ أَلْوِيَةٍ لِوَاءٌ مَعَ أَبِي عَزِيزٍ وَلِوَاءٌ مَعَ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَلِوَاءٌ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ.
قَالُوا : وَخَطَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ وَهُوَ يَأْمُرُهُمْ وَيَحُثّهُمْ وَيُرَغّبُهُمْ فِي الْأَجْرِ أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أَحُثّكُمْ عَلَى مَا حَثّكُمْ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْهَاكُمْ عَمّا نَهَاكُمْ اللّهُ عَنْهُ فَإِنّ اللّهَ عَظِيمٌ شَأْنُهُ يَأْمُرُ بِالْحَقّ وَيُحِبّ الصّدْقَ وَيُعْطِي عَلَى الْخَيْرِ أَهْلَهُ عَلَى مَنَازِلِهِمْ عِنْدَهُ بِهِ يُذْكَرُونَ وَبِهِ يَتَفَاضَلُونَ وَإِنّكُمْ قد أصبحتم بمنزل
1 في ح: "صاحب الحشم".
2 في ح: "عمرو بن عبد ود"
مِنْ مَنَازِلِ الْحَقّ لَا يَقْبَلُ اللّهُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ إلّا مَا ابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ. وَإِنّ الصّبْرَ فِي مَوَاطِنِ الْبَأْسِ مِمّا يُفَرّجُ اللّهُ بِهِ الْهَمّ وَيُنَجّي بِهِ مِنْ الْغَمّ وَتُدْرِكُونَ1 بِهِ النّجَاةَ فِي الْآخِرَةِ. فِيكُمْ نَبِيّ اللّهِ يُحَذّرُكُمْ وَيَأْمُرُكُمْ فَاسْتَحْيُوا الْيَوْمَ أَنْ يَطّلِعَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكُمْ يَمْقُتُكُمْ عَلَيْهِ فَإِنّ اللّهَ يَقُولُ {لَمَقْتُ اللّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} 2
اُنْظُرُوا إلَى الّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ وَأَرَاكُمْ مِنْ آيَاتِهِ وَأَعَزّكُمْ بَعْدَ ذِلّةٍ فَاسْتَمْسِكُوا بِهِ يَرْضَ رَبّكُمْ عَنْكُمْ. وَأَبْلَوْا رَبّكُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ أَمْرًا، تَسْتَوْجِبُوا الّذِي وَعَدَكُمْ بِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ فَإِنّ وَعْدَهُ حَقّ، وَقَوْلَهُ صِدْقٌ وَعِقَابَهُ شَدِيدٌ. وَإِنّمَا أَنَا وَأَنْتُمْ بِاَللّهِ الْحَيّ الْقَيّومِ إلَيْهِ أَلْجَأْنَا ظُهُورَنَا، وَبِهِ اعْتَصَمْنَا، وَعَلَيْهِ تَوَكّلْنَا، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَغْفِرُ اللّهُ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، وَمُحَمّدِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، قَالَا: لَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا تُصَوّبُ مِنْ الْوَادِي - وَكَانَ أَوّلُ مَنْ طَلَعَ زَمَعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يَتْبَعُهُ ابْنُهُ فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ يُرِيدُ أَنْ يَتَبَوّأَ3 لِلْقَوْمِ مَنْزِلًا - فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللّهُمّ إنّك أَنْزَلْت عَلَيّ الْكِتَابَ وَأَمَرْتنِي بِالْقِتَالِ وَوَعَدَتْنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَأَنْتَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ اللّهُمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ أَقْبَلَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، تُحَادّك4 وَتُكَذّبُ رَسُولَك اللّهُمّ نَصْرُك الّذِي وَعَدْتنِي اللّهُمّ أَحِنْهُمْ الْغَدَاةَ " وَطَلَعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ عَلَى
1 في ت: "يدركون النجاة".
2 سورة 40 غافر 10
3 في ح: "يريد أن يبنوا"
4 في ح: "تخاذل".
جَمَلٍ أَحْمَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنْ يَكُ فِي أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ فَفِي صَاحِبِ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ إن يطيعوه يرشدو ا".
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ وَكَانَ إيمَاءُ بْنُ رَحْضَةَ قَدْ بَعَثَ إلَى قُرَيْشٍ ابْنًا لَهُ بِعَشْرِ جَزَائِرَ حِينَ مَرّوا بِهِ أَهْدَاهَا لَهُمْ وَقَالَ إنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ نَمُدّكُمْ بِسِلَاحٍ وَرِجَالٍ - فَإِنّا مُعِدّونَ لِذَلِكَ مُؤَدّونَ - فَعَلْنَا. فَأَرْسَلُوا: أَنْ وَصَلَتْك رَحِمٌ قَدْ قَضَيْت الّذِي عَلَيْك، فَلِعَمْرِي لَئِنْ كُنّا إنّمَا نُقَاتِلُ النّاسَ مَا بِنَا ضَعْفٌ عَنْهُمْ وَلَئِنْ كُنّا نُقَاتِلُ اللّهَ كَمَا يَزْعُمُ مُحَمّدٌ فَمَا لِأَحَدٍ بِاَللّهِ طَاقَةٌ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ جَدّهِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ خِفَافِ بْنِ إيمَاءِ بْنِ رَحْضَةَ، قَالَ كَانَ أَبِي لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النّاسِ مُوَكّلٌ بِذَلِكَ. فَلَمّا مَرّتْ قُرَيْشٌ أَرْسَلَنِي بِجَزَائِرَ عَشْرٍ هَدِيّةً لَهَا، فَأَقْبَلْت أَسُوقُهَا وَتَبِعَنِي أَبِي، فَدَفَعْتهَا إلَى قُرَيْشٍ فَقَبِلُوهَا، فَوَزّعُوهَا فِي الْقَبَائِلِ. فَمَرّ أَبِي عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ - وَهُوَ سَيّدُ النّاسِ يَوْمَئِذٍ - فَقَالَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا هَذَا الْمَسِيرُ؟ قَالَ لَا أَدْرِي وَاَللّهِ غُلِبْت قَالَ فَأَنْتَ سَيّدُ الْعَشِيرَةِ فَمَا يَمْنَعُك أَنْ تَرْجِعَ بِالنّاسِ وَتَحْمِلَ دَمَ حَلِيفِك1، وَتَحْمِلَ الْعِيرَ الّتِي أَصَابُوا بِنَخْلَةَ فَتُوَزّعَهَا عَلَى قَوْمِك؟ وَاَللّهِ مَا تَطْلُبُونَ قِبَلَ مُحَمّدٍ إلّا هَذَا؟ وَاَللّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا تَقْتُلُونَ بِمُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ إلّا أَنْفُسَكُمْ.
حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي الزّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا سَمِعْنَا بأحد ساد2 بغير
1 يعني عمرو بن الحضرمي، وكان قتل يوم نخلة.
2 في ح: "سار".
مَالٍ إلّا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ. عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ لَمّا نَزَلَ الْقَوْمُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ ارْجِعُوا، فَإِنّهُ يَلِي هَذَا الْأَمْرَ مِنّي غَيْرُكُمْ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ تَلُوهُ مِنّي، وَأَلِيَهُ مِنْ غَيْرِكُمْ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ أَلِيَهُ مِنْكُمْ. فَقَالَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: قَدْ عَرَضَ نِصْفًا، فَاقْبَلُوهُ1. وَاَللّهِ لَا تُنْصَرُونَ عَلَيْهِ بَعْدَ مَا عَرَضَ مِنْ النّصْفِ. قَالَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ بَعْدَ أَنْ أَمْكَنَنَا اللّهُ مِنْهُمْ وَلَا نَطْلُبُ أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ وَلَا يَعْتَرِضُ2 لِعِيرِنَا بَعْدَ هَذَا أَبَدًا.
قَالُوا : وَأَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ حَتّى وَرَدُوا الْحَوْضَ - مِنْهُمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ - فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ تَجْلِيَتَهُمْ3 - يَعْنِي طَرْدَهُمْ - فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعُوهُمْ فَوَرَدُوا الْمَاءَ فَشَرِبُوا، فَمَا شَرِبَ مِنْهُ أَحَدٌ إلّا قُتِلَ إلّا مَا كَانَ مِنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ.
فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ نَجَا حَكِيمٌ مِنْ الدّهْرِ مَرّتَيْنِ لِمَا أَرَادَ اللّهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ. خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ جُلُوسٌ يُرِيدُونَهُ فَقَرَأَ {يس} وَذَرّ4 عَلَى رُءُوسِهِمْ التّرَابَ فَمَا انْفَلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا قُتِلَ إلّا حَكِيمٌ. وَوَرَدَ الْحَوْضَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَمَا وَرَدَ الْحَوْضَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إلّا قُتِلَ إلا حكيم.
1 في ح: "فلبوه".
2 في ح: "ولا يعرض".
3 في ب، ت: "تخليتهم". وفي ح: "تنحيتهم"
4 في ح: "ونثر".
قَالُوا : فَلَمّا اطْمَأَنّ الْقَوْمُ بَعَثُوا عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ - وَكَانَ صَاحِبَ قِدَاحٍ - فَقَالُوا: احْزِرْ لَنَا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ. فَاسْتَجَالَ بِفَرَسِهِ حَوْلَ الْمُعَسْكَرِ فَصَوّبَ فِي الْوَادِي وَصَعِدَ يَقُولُ عَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مَدَدٌ أَوْ كَمِينٌ. ثُمّ رَجَعَ فَقَالَ لَا مَدَدَ وَلَا كَمِينَ الْقَوْمُ ثَلَثُمِائَةٍ إنْ زَادُوا قَلِيلًا، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا، وَمَعَهُمْ فَرَسَانِ. ثُمّ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، الْبَلَايَا1 تَحْمِلُ الْمَنَايَا، نَوَاضِحُ يَثْرِبَ تَحْمِلُ الْمَوْتَ النّاقِعَ قَوْمٌ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ أَلَا تَرَوْنَهُمْ خُرْسًا لَا يَتَكَلّمُونَ يَتَلَمّظُونَ تَلَمّظَ الْأَفَاعِي وَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ حَتّى يَقْتُلَ مِنّا رَجُلًا، فَإِذَا أَصَابُوا مِنْكُمْ مِثْلَ عَدَدِهِمْ فَمَا خَيْرٌ فِي الْعَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ فَارْتَئُوا رَأْيَكُمْ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي يُونُسُ بْنُ مُحَمّدٍ الظّفَرِيّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمّا قَالَ لَهُمْ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ أَرْسَلُوا أَبَا أُسَامَةَ الْجُشَمِيّ - وَكَانَ فَارِسًا - فَأَطَافَ بِالنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ مَا رَأَيْت؟ قَالَ وَاَللّهِ مَا رَأَيْت جَلَدًا، وَلَا عَدَدًا، وَلَا حَلْقَةً وَلَا كُرَاعًا. وَلَكِنّي وَاَللّهِ رَأَيْت قَوْمًا لَا يُرِيدُونَ أَنْ يَئُوبُوا2 إلَى أَهْلِيهِمْ قَوْمًا مُسْتَمِيتِينَ لَيْسَتْ لَهُمْ مَنَعَةٌ وَلَا مَلْجَأٌ إلّا سُيُوفُهُمْ زُرْقُ الْعُيُونِ كَأَنّهُمْ الْحَصَى تَحْتَ الْحَجَفِ3. ثُمّ قَالَ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ لَهُمْ كَمِينٌ أَوْ مَدَدٌ. فَصَوّبَ فِي الْوَادِي ثُمّ صَعِدَ ثُمّ رَجَعَ إلَيْهِمْ ثُمّ قَالَ لَا كَمِينَ وَلَا مَدَدَ فَرَوْا رَأْيَكُمْ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الله،
1 البلايا: جمع بلية، وهي الناقة أو الدابة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت، "شرح أبي ذر ص: 156".
2 في ح: "أن يردوا".
3 الجحف: جمع الجحف، وهي الترس. "الصحاح ص: 1341".
عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ وَمُحَمّدِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، وَابْنِ رُومَانَ قَالُوا: [لَمّا]1 سَمِعَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ مَا قَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ مَشَى فِي النّاسِ وَأَتَى عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ فَقَالَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ أَنْتَ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيّدُهَا، وَالْمُطَاعُ فِيهَا، فَهَلْ لَك أَلّا تَزَالَ مِنْهَا بِخَيْرٍ آخِرَ الدّهْرِ مَعَ مَا فَعَلْت يَوْمَ عُكَاظٍ وَعُتْبَةُ يَوْمَئِذٍ رَئِيسُ النّاسِ فَقَالَ وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا خَالِدٍ؟ قَالَ تَرْجِعُ بِالنّاسِ وَتَحْمِلُ دَمَ حَلِيفِك، وَمَا أَصَابَ مُحَمّدٌ مِنْ تِلْكَ الْعِيرِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ . إنّكُمْ لَا تَطْلُبُونَ مِنْ مُحَمّدٍ شَيْئًا غَيْرَ هَذَا الدّمِ وَالْعِيرِ. فَقَالَ عُتْبَةُ قَدْ فَعَلْت وَأَنْتَ عَلَيّ بِذَلِكَ. قَالَ ثُمّ جَلَسَ عُتْبَةُ عَلَى جَمَلِهِ فَسَارَ فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ يَقُولُ يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي وَلَا تُقَاتِلُوا هَذَا الرّجُلَ وَأَصْحَابَهُ وَاعْصِبُوا هَذَا الْأَمْرَ بِرَأْسِي وَاجْعَلُوا جُبْنَهَا بِي، فَإِنّ مِنْهُمْ رِجَالًا قَرَابَتُهُمْ قَرِيبَةٌ وَلَا يَزَالُ الرّجُلُ مِنْكُمْ يَنْظُرُ إلَى قَاتِلِ أَبِيهِ وَأَخِيهِ فَيُورِثُ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ2 شَحْنَاءَ وَأَضْغَانًا، وَلَنْ تَخْلُصُوا إلَى قَتْلِهِمْ حَتّى يُصِيبُوا مِنْكُمْ عَدَدَهُمْ مَعَ أَنّي لَا آمَنُ أَنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَطْلُبُونَ إلّا دَمَ هَذَا الرّجُلِ3 وَالْعِيرَ الّتِي أَصَابَ وَأَنَا أَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَهُوَ عَلَيّ يَا قَوْمِ إنْ يَكُ مُحَمّدٌ كَاذِبًا يَكْفِيكُمُوهُ ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ - ذُؤْبَانُ الْعَرَبِ صَعَالِيكُ الْعَرَبِ - وَإِنْ يَكُ مَلِكًا أَكَلْتُمْ4 فِي مُلْكِ ابْنِ أَخِيكُمْ وَإِنْ يَكُ نَبِيّا كُنْتُمْ أَسْعَدَ النّاسِ بِهِ يَا قَوْمِ لَا تَرُدّوا نَصِيحَتِي، وَلَا تُسَفّهُوا رَأْيِي
قَالَ فَحَسَدَهُ أَبُو جَهْلٍ حِينَ سَمِعَ خُطْبَتَهُ وَقَالَ إنْ يَرْجِعْ النّاسُ عَنْ
1 الزيادة عن ب، ت.
2 في ت: "منهم" وفي ح: "بينكم".
3 في ح: "إلا دم القتيل منكم".
4 في ح: "كنتم".
خُطْبَةِ عُتْبَةَ يَكُنْ سَيّدَ الْجَمَاعَةِ - وَعُتْبَةُ أَنْطَقُ النّاسِ وَأَطْوَلُهُمْ1 لِسَانًا، وَأَجْمَلُهُمْ جَمَالًا. ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ أَنْشُدُكُمْ اللّهَ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الّتِي كَأَنّهَا الْمَصَابِيحُ أَنْ تَجْعَلُوهَا أَنْدَادًا لِهَذِهِ الْوُجُوهِ الّتِي كَأَنّهَا وُجُوهُ الْحَيّاتِ فَلَمّا فَرَغَ عُتْبَةُ مِنْ كَلَامِهِ قَالَ أَبُو جَهْلٍ إنّ عُتْبَةَ يُشِيرُ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ لِأَنّ ابْنَهُ مَعَ مُحَمّدٍ وَمُحَمّدٌ ابْنُ عَمّهِ وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَهُ وَابْنَ عَمّهِ. امْتَلَأَ وَاَللّهِ سَحْرُك2 يَا عُتْبَةُ وَجَبُنْت حِينَ الْتَقَتْ حَلَقَتَا الْبِطَانِ الْآنَ تُخَذّلُ بَيْنَنَا وَتَأْمُرُنَا بِالرّجُوعِ؟ لَا وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمّدٍ قَالَ فَغَضِبَ عُتْبَةُ فَقَالَ يَا مُصَفّرَ اسْتِهِ سَتَعْلَمُ أَيّنَا أَجْبَنُ وَأَلْأَمُ وَسَتَعْلَمُ قُرَيْشٌ مَنْ الْجَبَانُ الْمُفْسِدُ لِقَوْمِهِ [وَأَنْشَدَ...]3
هَلْ جَبَانٌ4 وَأَمَرْت أَمْرِي ... فَبَشّرِي5 بِالثّكْلِ أُمّ عَمْرِو
ثُمّ ذَهَبَ أَبُو جَهْلٍ إلَى عَامِرِ بْنِ الْحَضْرَمِيّ أَخِي الْمَقْتُولِ بِنَخْلَةَ فَقَالَ هَذَا حَلِيفُك - يَعْنِي عُتْبَةَ - يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ بِالنّاسِ وَقَدْ رَأَيْت ثَأْرَك بِعَيْنَيْك، وَيُخَذّلَ بَيْنَ النّاسِ قَدْ تَحَمّلَ دَمَ أَخِيك وَزَعَمَ أَنّك قَابِلٌ الدّيَةَ. أَلَا تَسْتَحْيِيَ6 تَقْبَلُ الدّيَةَ وَقَدْ قَدَرْت عَلَى قَاتِلِ أَخِيك؟ قُمْ فَانْشُدْ خُفْرَتَكَ7.
فَقَامَ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ فَاكْتَشَفَ ثُمّ حَثَا عَلَى رَأْسِهِ8 التّرَابَ ثُمّ
1 في الأصل: "وطاواله لسانا". وما أثبتناه عن سائر النسخ.
2 السحر؛ ويحرك ويضم: الرئة. وانتفخ سحره، عدا طوره وجاوز قدره. "القاموس المحيط ج2، ص: 45".
3 الزيادة عن ح.
4 في ت: "هذا جناي" وفي ح: "هذا حيائي".
5 في الأصل، ت: "وبشرا". وما أثبتناه عن ب، ح.
6 يقال استحيت بياء واحدة وأصله استحييت مثل استعييت فأعلوا الياء الأولى وألقوا حركتها على الحاء "الصحاح ص: 2324".
7 أنشد خفرتك: أي أذكها والخفرة: الذمة. "لسان العرب ج4، ص: 253".
8 في ت، ح: "استه".
صَرَخَ وَاعَمْرَاه يُخْزِي بِذَلِكَ عُتْبَةَ لِأَنّهُ حَلِيفُهُ مِنْ بَيْنِ قُرَيْشٍ، فَأَفْسَدَ عَلَى النّاسِ الرّأْيَ الّذِي دَعَاهُمْ إلَيْهِ عُتْبَةُ وَحَلَفَ عَامِرٌ لَا يَرْجِعُ حَتّى يَقْتُلَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ. وَقَالَ1 لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ حَرّشْ بَيْنَ النّاسِ فَحَمَلَ عُمَيْرٌ فَنَاوَشَ الْمُسْلِمِينَ لِأَنْ يَنْقُضَ الصّفّ فَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صَفّهِمْ وَلَمْ يَزُولُوا ; وَتَقَدّمَ ابْنُ الْحَضْرَمِيّ فَشَدّ عَلَى الْقَوْمِ فَنَشِبَتْ الْحَرْبُ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ لَمّا أَفْسَدَ الرّأْيَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى النّاسِ وَحَرّشَ بَيْنَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيّ فَأَقْحَمَ فَرَسَهُ فَكَانَ أَوّلَ مَنْ خَرَجَ إلَيْهِ مَهْجَعُ مَوْلَى عُمَرَ فَقَتَلَهُ عَامِرٌ.
وَكَانَ أَوّلَ قَتِيلٍ قُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ قَتَلَهُ حِبّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ - وَيُقَالُ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ - قَتَلَهُ خَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ الْعُقَيْلِيّ. حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ مَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ الْمَكّيّينَ يَقُولُ إلّا حِبّانُ بْنُ الْعَرِقَةِ.
قَالُوا: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي مَجْلِسِ وِلَايَتِهِ يَا عُمَيْرَ بْنَ وَهْبٍ أَنْتَ حَازِرُنَا لِلْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، تُصَعّدُ فِي الْوَادِي وَتُصَوّبُ كَأَنّي أَنْظُرُ إلَى فَرَسِك2 تَحْتَك، تُخْبِرُ الْمُشْرِكِينَ أَنّهُ لَا كَمِينَ لَنَا وَلَا مَدَدَ قَالَ إي وَاَللّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأُخْرَى، أَنَا وَاَللّهِ الّذِي حَرّشْتُ بَيْنَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ وَلَكِنّ اللّهَ جَاءَ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ فَمَا كَانَ فِينَا مِنْ الشّرْكِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ عُمَرُ صَدَقْت
قَالُوا: كَلّمَ عُتْبَةُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ فَقَالَ لَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ خِلَافٌ إلّا
1 أي وقال أبو جهل.
2 في الأصل: "قريش تحمتك جوا". وما أثبتناه عن سائر النسخ.
عِنْدَ ابْنِ الْحَنْظَلِيّةِ اذْهَبْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ " إنّ عُتْبَةَ يَحْمِلُ دَمَ حَلِيفِهِ وَيَضْمَنُ الْعِيرَ. قَالَ حَكِيمٌ فَدَخَلْت عَلَى أَبِي جَهْلٍ وَهُوَ يَتَخَلّقُ بِخَلُوقٍ1 وَدِرْعُهُ مَوْضُوعَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقُلْت: إنّ عُتْبَةَ بَعَثَنِي إلَيْك. فَأَقْبَلَ عَلَيّ مُغْضَبًا فَقَالَ أَمَا وَجَدَ عُتْبَةُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَك؟ فَقُلْت: أَمَا وَاَللّهِ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ أَرْسَلَنِي مَا مَشَيْت فِي ذَلِكَ وَلَكِنْ مَشَيْت فِي إصْلَاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَكَانَ أَبُو الْوَلِيدِ سَيّدَ الْعَشِيرَةِ. فَغَضِبَ غَضْبَةً أُخْرَى فَقَالَ وَتَقُولُ أَيْضًا سَيّدَ الْعَشِيرَةِ؟ فَقُلْت: أَنَا أَقُولُهُ؟ قُرَيْشٌ كُلّهَا تَقُولُهُ فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَصِيحَ بِخَفْرَتِهِ وَاكْتُشِفَ وَقَالَ إنّ عُتْبَةَ جَاعَ فَاسْقُوهُ سَوِيقًا وَجَعَلَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ إنّ عُتْبَةَ جَاعَ فَاسْقُوهُ سَوِيقًا وَجَعَلَ أَبُو جَهْلٍ يُسَرّ بِمَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِعُتْبَةَ. قَالَ حَكِيمٌ فَجِئْت إلَى مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، فَقُلْت لَهُ مِثْلَ مَا قُلْت لِأَبِي جَهْلٍ فَوَجَدْته2 خَيْرًا مِنْ أَبِي جَهْلٍ. قَالَ نِعْمَ مَا مَشَيْت فِيهِ وَمَا دَعَا إلَيْهِ عُتْبَةُ فَرَجَعْت إلَى عُتْبَةَ فَوَجَدْته قَدْ غَضِبَ مِنْ كَلَامِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَ عَنْ جَمَلِهِ وَقَدْ طَافَ عَلَيْهِمْ فِي عَسْكَرِهِمْ يَأْمُرُهُمْ بِالْكَفّ عَنْ الْقِتَالِ فَيَأْبَوْنَ. فَحَمِيَ فَنَزَلَ فَلَبِسَ دِرْعَهُ وَطَلَبُوا لَهُ بَيْضَةً تَقْدِرُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَجِدْ فِي الْجَيْشِ بَيْضَةً تَسَعُ رَأْسَهُ مِنْ عِظَمِ هَامَتِهِ. فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ اعْتَجَرَ3 ثُمّ بَرَزَ4 بَيْنَ أَخِيهِ شَيْبَةَ وَبَيْنَ ابْنِهِ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، فَبَيْنَا أَبُو جَهْلٍ فِي الصّفّ عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى، حَاذَاهُ عُتْبَةُ وَسَلّ عُتْبَةُ سَيْفَهُ فَقِيلَ هُوَ وَاَللّهِ يَقْتُلُهُ فَضَرَبَ بِالسّيْفِ عُرْقُوبَيْ فَرَسِ أَبِي جَهْلٍ فَاكْتَسَعَتْ5 الْفَرَسُ، فَقُلْت: مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ قَالُوا: قَالَ عُتْبَةُ انْزِلْ فَإِنّ هَذَا اليوم ليس
1 الخلوق: ضرب من الطيب "القاموس المحيط ج3، ص: 229".
2 في ت: "فأجده".
3 الاعتجار: لف العمامة دون التلحي. "القاموس المحيط ج2، ص: 85".
4 في ح: "ثم برز راجلا".
5 اكتسعت الفرس: سقطت من ناحية مؤخرها ورمت بما عليها "النهاية ج4، ص: 20".
بِيَوْمِ رُكُوبٍ لَيْسَ كُلّ قَوْمِك رَاكِبًا. فَنَزَلَ أَبُو جَهْلٍ وَعُتْبَةُ يَقُولُ سَتَعْلَمُ أَيّنَا أَشْأَمَ عَشِيرَتَهُ الْغَدَاةَ ثُمّ دَعَا عُتْبَةُ إلَى الْمُبَارَزَةِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَرِيشِ وَأَصْحَابُهُ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَاضْطَجَعَ فَغَشِيَهُ النّوْمُ1 وَقَالَ لَا تُقَاتِلُوا حَتّى أُوذِنَكُمْ وَإِنْ كَثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَلَا تَسُلّوا السّيُوفَ حَتّى يَغْشَوْكُمْ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ دَنَا الْقَوْمُ وَقَدْ نَالُوا مِنّا. فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللّهِ وَقَدْ أَرَاهُ اللّهُ إيّاهُمْ فِي مَنَامِهِ قَلِيلًا، وَقَلّلَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْيُنِ بَعْضٍ فَفَزِعَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يُنَاشِدُ رَبّهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ النّصْرِ وَيَقُولُ: " اللّهُمّ إنْ تَظْهَرْ عَلَيّ هَذِهِ الْعِصَابَةُ يَظْهَرْ الشّرْكُ وَلَا يَقُمْ لَك دِين ".وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ وَاَللّهِ لَيَنْصُرَنك اللّهُ وَلَيُبَيّضَن وَجْهَك. وَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أُشِيرُ عَلَيْك - وَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ وَأَعْلَمُ بِاَللّهِ مِنْ أَنْ يُشَارَ عَلَيْهِ - إنّ اللّهَ أَجَلّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَنْشُدَهُ وَعْدَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا ابْنَ رَوَاحَةَ أَلَا أَنْشُدُ اللّهَ وَعْدَهُ؟ إنّ اللّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ " وَأَقْبَلَ عُتْبَةُ يَعْمِدُ إلَى الْقِتَالِ فَقَالَ لَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ: أَبَا الْوَلِيدِ مَهْلًا، مَهْلًا تَنْهَى عَنْ شَيْءٍ وَتَكُونُ أَوّلَهُ وَقَالَ خِفَافُ بْنُ إيمَاءٍ فَرَأَيْت أَصْحَابَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدْ تَصَافّ النّاسُ وَتَزَاحَفُوا2، فَرَأَيْت أَصْحَابَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَسُلّونَ السّيُوفَ وَقَدْ أَنْبَضُوا3 الْقِسِيّ وَقَدْ تَرّسَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِصُفُوفٍ مُتَقَارِبَةٍ لَا فُرَجَ بَيْنَهَا، وَالْآخَرُونَ قَدْ سَلّوا السّيُوفَ حِينَ طَلَعُوا. فَعَجِبْت مِنْ ذَلِكَ فَسَأَلْت بَعْدَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلّا نَسُلّ
1 في ت: "فغشيه نوم غلبه".
2 في ت: "وتراجعوا".
3 أنبض والقوس: حرك وترها. "القاموس المحيط ج2، ص: 345".
السّيُوفَ حَتّى يَغْشَوْنَا.
قَالُوا: فَلَمّا تَزَاحَفَ النّاسُ قَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ حِينَ دَنَا مِنْ الْحَوْضِ أُعَاهِدُ اللّهَ لَأَشْرَبَن مِنْ حَوْضِهِمْ أَوْ لَأَهْدِمَنهُ أَوْ لَأَمُوتَن دُونَهُ. فَشَدّ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ حَتّى دَنَا مِنْ الْحَوْضِ فَاسْتَقْبَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ. فَضَرَبَهُ فَأَطَنّ1 قَدَمَهُ فَزَحَفَ الْأَسْوَدُ حَتّى وَقَعَ فِي الْحَوْضِ فَهَدَمَهُ بِرِجْلِهِ الصّحِيحَةِ وَشَرِبَ مِنْهُ وَأَتْبَعَهُ حَمْزَةُ فَضَرَبَهُ فِي الْحَوْضِ فَقَتَلَهُ وَالْمُشْرِكُونَ يَنْظُرُونَ عَلَى صُفُوفِهِمْ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنّهُمْ ظَاهِرُونَ فَدَنَا النّاسُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فَخَرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَالْوَلِيدُ حَتّى فَصَلُوا مِنْ الصّفّ ثُمّ دَعَوْا إلَى الْمُبَارَزَةِ. فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فِتْيَانٌ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَهُمْ بَنُو عَفْرَاءَ: مُعَاذٌ وَمُعَوّذٌ وَعَوْفٌ بَنُو الْحَارِثِ - وَيُقَالُ ثَالِثُهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَالثّبْتُ عِنْدَنَا أَنّهُمْ بَنُو عَفْرَاءَ - فَاسْتَحْيَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ أَوّلَ قِتَالٍ لَقِيَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَنْصَارِ، وَأَحَبّ أَنْ تَكُونَ الشّوْكَةُ لِبَنِي عَمّهِ وَقَوْمِهِ فَأَمَرَهُمْ فَرَجَعُوا إلَى مَصَافّهِمْ وَقَالَ لَهُمْ خَيْرًا. ثُمّ نَادَى مُنَادِي الْمُشْرِكِينَ يَا مُحَمّدُ أَخْرِجْ لَنَا الْأَكْفَاءَ مِنْ قَوْمِنَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا بَنِي هَاشِمٍ قُومُوا فَقَاتَلُوا بِحَقّكُمْ الّذِي بَعَثَ اللّهُ بِهِ نَبِيّكُمْ إذْ جَاءُوا بِبَاطِلِهِمْ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّهِ ". فَقَامَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَمَشَوْا إلَيْهِمْ فَقَالَ عُتْبَةُ تَكَلّمُوا نَعْرِفْكُمْ - وَكَانَ عَلَيْهِمْ الْبِيضُ فَأَنْكَرُوهُمْ - فَإِنْ كُنْتُمْ أَكْفَاءَ قَاتَلْنَاكُمْ. فَقَالَ حَمْزَةُ أَنَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، أَسَدُ اللّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ. قَالَ عُتْبَةُ كُفْءٌ كَرِيمٌ. ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ وَأَنَا أَسَدُ الْحُلَفَاءِ وَمَنْ هَذَانِ مَعَك؟ قال عَلِيّ
1 أطن: أطار. "شرح أبي ذر ص: 157".
بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ. قَالَ كُفْئَانِ كَرِيمَانِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي الزّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمْ أَسْمَعْ لِعُتْبَةَ كَلِمَةً قَطّ أَوْهَنَ مِنْ قَوْلِهِ " أَنَا أَسَدُ الْحُلَفَاءِ " ; يَعْنِي بِالْحُلَفَاءِ الْأَجَمَةَ1. ثُمّ قَالَ عُتْبَةُ لِابْنِهِ قُمْ يَا وَلِيدُ. فَقَامَ الْوَلِيدُ. وَقَامَ إلَيْهِ عَلِيّ. وَكَانَ أَصْغَرَ النّفَرِ فَقَتَلَهُ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ. ثُمّ قَامَ عُتْبَةُ وَقَامَ إلَيْهِ حَمْزَةُ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَقَتَلَهُ حَمْزَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ. ثُمّ قَامَ شَيْبَةُ وَقَامَ إلَيْهِ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَسَنّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبَ شَيْبَةُ رِجْلَ عُبَيْدَةَ بِذُبَابِ السّيْفِ فَأَصَابَ عَضَلَةَ سَاقِهِ فَقَطَعَهَا. وَكَرّ حَمْزَةُ وَعَلِيّ عَلَى شَيْبَةَ فَقَتَلَاهُ وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ فَحَازَاهُ إلَى الصّفّ وَمُخّ سَاقِهِ يَسِيلُ فَقَالَ عُبَيْدَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَسْت شَهِيدًا؟ قَالَ: " بَلَى ". قَالَ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيّا لَعَلِمَ أَنّا أَحَقّ بِمَا قَالَ مِنْهُ2 حين يقول
1 قال ابن أبي الحديد: قد رويت هذه الكلمة على صيغة أخرى: " وأنا أسد الحلفاء "، ووروي: "أنا أسد الأحلاف" قالوا في تفسيرهما: أراد أنا سيد أهل الحلف المطيبين، وكان الذين حضروه بني عبد مناف، وبني أسد بن عبد العزى، وبني تيم، وبني زهرة، وبني الحارث بن فهر، خمس قبائل. ورد قوم هذا التأويل فقالوا: إنم المطيبين لم يكن يقال لهم الحلفاء ولا الأحلاف وإنما ذلك لقب خصومهم وأعدائهم الذين وقع التحالف لأجلهم، وهم بنو عبد الدار، وبنو مخزوم، وبنو سهم، وبنو جمح، وبنو عدي بن كعب، خمس قبائل. وقال قوم زفي تفسيرهما: إنما عنى حلف الفضول، وكان بعد حلف المطيبين بزمان، وشهد حلف النفضول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو صغير في دار ابن جدعان، وكان سببه أن رجلا من التيمن قدم مكة بمتاع، فاشتراه العاص بن وائل السهموي ومطله بالثمن حتى أتعبه، فقام بالحجر وناشد قريشا ظلامته، فاجتمع بنو هاشم وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تيم في دار ابن جدعان، فتحالفوا وغمسوا أيديهم في ماؤ زمزم بعد أن غسلوا به أركان البيت، أن ينصروا كل مظلوم بمكة ويردوا ظلامته، ويأخذوا على يد الظالم وينهوا عن كل منكر، ما وبل بحر صوفة، فسمي حلف الفضول لفضله... وهذا التفسير أيضا غير صحيح لأن بني عبد الشمس لم يكونوا في حلف الفضول، فقد بان أن ما ذكره الواقدي أصح وأثبت. "نهج البلاغة ج3، ص: 334".
2 في ح: "لعلم أني أحق بما قال حين يقول".
كَذَبْتُمْ وَبَيْتُ اللّهِ نُخْلِي مُحَمّدًا ... وَلَمّا نُطَاعِنْ دُونَهُ وَنُنَاضِلِ1
ونسلمه2 حتى نصرّع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ} 3
حَمْزَةُ أَسَنّ مِنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ وَالْعَبّاسُ أَسَنّ مِنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثِ سِنِينَ.
قَالُوا: وَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ حِينَ دَعَا إلَى الْبِرَازِ قَامَ إلَيْهِ ابْنُهُ أَبُو حُذَيْفَةَ يُبَارِزُهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اجْلِسْ " فَلَمّا قَامَ إلَيْهِ النّفَرُ أَعَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ عَلَى أَبِيهِ بِضَرْبَةٍ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي الزّنَادِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ شَيْبَةُ أَكْبَرُ مِنْ عُتْبَةَ بِثَلَاثِ سِنِينَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ قَالَ وَاسْتَفْتَحَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ. فَقَالَ اللّهُمّ أَقْطَعُنَا لِلرّحِمِ وَآتَانَا بِمَا لَا يَعْلَمُ فَأَحِنْهُ4 الْغَدَاةَ. فَأَنْزَلَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ...} 5 الْآيَةَ.
فَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُقْبَةَ عَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ سَمِعْت ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ لَمّا تَوَاقَفَ النّاسُ أُغْمِيَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ثُمّ كُشِفَ عَنْهُ فَبَشّرَ الْمُؤْمِنِينَ بِجِبْرِيلَ فِي جُنْدٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فِي مَيْمَنَةِ
1 ونناضل: نرامي بالسهام، "شرح أبي ذر ص: 88".
2 في ح: "وننصره".
3 سورة 22 الحج 19
4 فأحنه: فأهلكه. "القاموس المحيط ج4، ص: 218".
5 سورة 8 الأنفال 19
النّاسِ وَمِيكَائِيلَ فِي جُنْدٍ آخَرَ فِي مَيْسَرَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِسْرَافِيلَ فِي جُنْدٍ آخَرَ بِأَلْفٍ. وَإِبْلِيسُ قَدْ تَصَوّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيّ يُذَمّرُ1 الْمُشْرِكِينَ وَيُخْبِرُهُمْ أَنّهُ لَا غَالِبَ لَهُمْ مِنْ النّاسِ فَلَمّا أَبْصَرَ عَدُوّ اللّهِ الْمَلَائِكَةَ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ: {إِنّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ}2 فَتَشَبّثَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَهُوَ يَرَى أَنّهُ سُرَاقَةُ لِمَا سَمِعَ مِنْ كَلَامِهِ فَضَرَبَ فِي صَدْرِ الْحَارِثِ فَسَقَطَ الْحَارِثُ وَانْطَلَقَ إبْلِيسُ لَا يُرَى حَتّى وَقَعَ فِي الْبَحْرِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ يَا رَبّ مَوْعِدُك الّذِي وَعَدْتنِي
وَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلٍ عَلَى أَصْحَابِهِ فَحَضّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَقَالَ لَا يَغُرّنكُمْ خِذْلَانُ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ إيّاكُمْ فَإِنّمَا كَانَ عَلَى مِيعَادٍ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ سَيَعْلَمُ إذَا رَجَعْنَا إلَى قُدَيْدٍ3 مَا نَصْنَعُ بِقَوْمِهِ لَا يَهُولَنكُمْ مَقْتَلُ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ فَإِنّهُمْ عَجّلُوا وَبَطِرُوا حِينَ قَاتَلُوا وَأَيْمُ اللّهِ لَا نَرْجِعُ الْيَوْمَ حَتّى نَقْرِنَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فِي الْحِبَالِ فَلَا أُلْفِيَن أَحَدًا مِنْكُمْ قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدًا: وَلَكِنْ خُذُوهُمْ أَخْذًا، نُعَرّفُهُمْ بِاَلّذِي صَنَعُوا لِمُفَارَقَتِهِمْ دِينَكُمْ وَرَغْبَتَهُمْ عَمّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ جَعَلَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شِعَارَ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ بَدْرٍ: يَا بَنِي عَبْدِ الرّحْمَنِ وَشِعَارَ الْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللّهِ وَشِعَارَ الْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللّهِ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ
1 يذمر: يحض. "القاموس المحيط ج2، ص: 36".
2 سورة 8 الأنفال 48.
3 قديد: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه. "وفاء الوفاء ج2، ص: 360".
عُمَرَ بْنِ علي عَنْ إسْحَاقَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيّ قَالَ كَانَ شِعَارُ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْرٍ "يَا مَنْصُورُ أَمِتْ"
قَالُوا : وَكَانَ فِتْيَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ سَبْعَةٌ قَدْ أَسْلَمُوا، فَاحْتَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ فَخَرَجُوا مَعَهُمْ إلَى بَدْرٍ وهم على الشك والارتياب قيس1 بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْفَاكِه بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَارِثُ بْنُ زَمَعَةَوَعَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ وَالْعَاصُ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ. فَلَمّا قَدِمُوا بَدْرًا. وَرَأَوْا قِلّةَ أَصْحَابِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا :غَرّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ يَقُولُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ {وَمَنْ يَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} 2 وَهُمْ مَقْتُولُونَ الْآنَ. يَقُولُ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ} ثُمّ ذَكَرَ الّذِينَ كَفَرُوا شَرّ الذّكْرِ فَقَالَ: {إِنّ شَرّ الدّوَابّ عِنْدَ اللّهِ الّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، الّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلّ مَرّةٍ وَهُمْ لَا يَتّقُونَ} 3 إلَى قَوْلِهِ {فَشَرّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلّهُمْ يَذّكّرُونَ} 4 يَقُولُ يُقْبِلُونَ نَكَلَ بِهِمْ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ كُلّهَا. {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ} 5 يَقُولُ وَإِنْ قَالُوا قَدْ أَسْلَمْنَا عَلَانِيَةً فَاقْبَلْ مِنْهُمْ. {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الّذِي أَيّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ} {وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} 6 يَقُولُ أَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ. {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنّ اللّهَ أَلّفَ بَيْنَهُمْ
1 في الأصل: "أبو قيس"
2 سورة 8 الأنفال 49
3 سورة 8 الأنفال 55/56
4 سورة 8 الأنفال 57
5 سورة 8 الأنفال 61
6 سورة 8 الأنفال 62/63
إِنّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}1
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي الرّجَالِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ، قَالَ جَعَلَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْقُوّةِ أَنْ يَغْلِبَ الْعِشْرُونَ إذَا كَانُوا صَابِرِينَ مِائَتَيْنِ. وَيَمُدّهُمْ يَوْمَ بَدْر بِأَلْفَيْنِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَلَمّا عَلِمَ أَنّ فِيهِمْ الضّعْفَ خَفّفَ عَنْهُمْ وَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ مَرْجَعَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَدْرٍ. فِيمَنْ أُصِيبَ بِبَدْرٍ مِمّنْ يَدّعِي الْإِسْلَامَ عَلَى الشّكّ وَقُتِلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ - وَكَانَ سَبْعَةَ نَفَرٍ حَبَسَهُمْ آبَاؤُهُمْ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ وَفِيهِمْ الْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ - وَفِيمَنْ أَقَامَ بِمَكّةَ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ فَقَالَ: {الّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ} 2 إلَى آخِرِ ثَلَاثِ آيَاتٍ. قَالَ وَكَتَبَ بِهَا الْمُهَاجِرُونَ إلَى مَنْ بِمَكّةَ مُسْلِمًا، فَقَالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الْجُنْدُعِيّ3: لَا عُذْرَ لِي وَلَا حُجّةَ فِي مُقَامِي بِمَكّةَ. وَكَانَ مَرِيضًا، فَقَالَ لِأَهْلِهِ اُخْرُجُوا بِي لَعَلّي أَجِدُ رُوحًا. قَالَ أَيّ وَجْهٍ أَحَبّ إلَيْك؟ قَالَ نَحْوَ التّنْعِيمِ. قَالَ فَخَرَجُوا بِهِ إلَى التّنْعِيمِ - وَبَيْنَ التّنْعِيمِ وَمَكّةَ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ - فَقَالَ اللّهُمّ إنّي خَرَجْت إلَيْك مُهَاجِرًا
فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِيهِ {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ}4 إلَى آخِرِ الْآيَةِ. فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَكّةَ مِمّنْ يُطِيقُ الْخُرُوجَ خَرَجُوا، فَطَلَبَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَرَدّوهُمْ وَسَجَنُوهُمْ فَافْتُتِنَ مِنْهُمْ نَاسٌ فَكَانَ الّذِينَ اُفْتُتِنُوا حِينَ أَصَابَهُمْ البلاء.
فأنزل الله
1 سورة 8 الأنفال 63
2 سورة 16 النحل 28
3 في الأصل: "الخندعي" وما أثبتناه عن سائر النسخ، والبلاذري عن الواقدي. "أنساب الأشراف ج1، ص: 265".
4 سورة 4 النساء 100
عَزّ وَجَلّ: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ}1 إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَآيَتَيْنِ بَعْدَهَا. فَكَتَبَ بِهَا الْمُهَاجِرُونَ إلَى مَنْ بِمَكّةَ مُسْلِمًا، فَلَمّا جَاءَهُمْ الْكِتَابُ بِمَا نَزَلَ فِيهِمْ قَالُوا: اللّهُمّ إنّ لَك عَلَيْنَا إنْ أَفْلَتْنَا أَلّا نَعْدِلَ بِك أَحَدًا فَخَرَجُوا الثّانِيَةَ فَطَلَبَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ فَأَعْجَزُوهُمْ هَرَبًا فِي الْجِبَالِ حَتّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ . وَاشْتَدّ الْبَلَاءُ عَلَى مَنْ رَدّوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَضَرَبُوهُمْ وَآذَوْهُمْ وَأَكْرَهُوهُمْ عَلَى تَرْكِ الْإِسْلَامِ. وَرَجَعَ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَقَالَ لِقُرَيْشٍ مَا كَانَ يُعَلّمُهُ إلّا ابْنُ قَمّطَةَ عَبْدٌ نَصْرَانِيّ، قَدْ كُنْت أَكْتُبُ لَهُ فَأُحَوّلُ مَا أَرَدْت. فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقُولُونَ إِنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ..} 2 وَاَلّتِي تَلِيهَا، وَأَنْزَلَ اللّهُ فِيمَنْ رَدّ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ مِمّنْ أَصَابَهُ الْبَلَاءُ {إِلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالْإِيمَانِ..} 3 وَثَلَاثَ آيَاتٍ بَعْدَهَا. وَكَانَ مِمّنْ شُرِحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ ابْنُ أَبِي سَرْحٍ. ثُمّ أَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي الّذِينَ فَرّوا مِنْ أَبِي سُفْيَانَ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الّذِينَ صَبَرُوا عَلَى الْعَذَابِ بَعْدَ الْفِتْنَةِ {ثُمّ إِنّ رَبّكَ لِلّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا..} 4 إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَهّابِ بْنُ أَبِي حَيّةَ قَالَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ الثّلْجِيّ قَالَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ نَادَى يَوْمَئِذٍ نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ الْعَدَوِيّةِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ
1 سورة 29 العنكبوت 10
2 سورة 16 النحل 103
3 سورة 16 النحل 106
4 سورة 16 النحل 110
سُرَاقَةَ1 قَدْ عَرَفْتُمْ قَوْمَهُ وَخِذْلَانَهُمْ لَكُمْ فِي كُلّ مَوْطِنٍ فَاصْدُقُوا الْقَوْمَ الضّرْبَ فَإِنّي أَعْلَمُ أَنّ ابْنَيْ رَبِيعَةَ قَدْ عَجِلَا فِي مُبَارَزَتِهِمَا مَنْ بَارَزَا.
أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ إنْ كُنّا لَنَسْمَعُ لِإِبْلِيسَ يَوْمَئِذٍ خُوَارًا، وَدَعَا بِالثّبُورِ وَالْوَيْلِ وَتَصَوّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ حَتّى هَرَبَ فَاقْتَحَمَ الْبَحْرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدّا يَقُولُ يَا رَبّ مَا وَعَدْتنِي وَلَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ تُعَيّرُ سُرَاقَةَ بِمَا صَنَعَ يَوْمَئِذٍ فَيَقُولُ وَاَللّهِ مَا صَنَعْت مِنْهُ شَيْئًا. حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ الْأَسْلَمِيّ، عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى بَنِي الْعَبّاسِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أُكَيْمَةَ اللّيْثِيّ قَالَ حَدّثَنِي شَيْخٌ عَرّاكٌ- عَرّاكٌ: صَيّادٌ مِنْ الْحَيّ - كَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى السّاحِلِ مُطِلّا عَلَى الْبَحْرِ قَالَ سَمِعْت صِيَاحًا: يَا وَيْلَاه مَلَأَ الْوَادِيَ يَا حُزْنَاهُ2 فَنَظَرْت فَإِذَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَدَنَوْت مِنْهُ فَقُلْت: مَا لَك فِدَاك أَبِي وَأُمّي؟ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيّ شَيْئًا، ثُمّ أَرَاهُ اقْتَحَمَ الْبَحْرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ مَدّا يَقُولُ يَا رَبّ مَا وَعَدْتنِي فَقُلْت فِي نَفْسِي: جُنّ وَبَيْتِ اللّهِ سُرَاقَةُ وَذَلِكَ حِينَ زَاغَتْ الشّمْسُ وَذَاكَ عِنْدَ3 انْهِزَامِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
قَالُوا : وَكَانَ سِيمَاءُ الْمَلَائِكَةِ عَمَائِمَ قَدْ أَرْخَوْهَا بَيْنَ أَكْتَافِهِمْ خُضْرًا وَصُفْرًا وَحُمْرًا مِنْ نُورٍ وَالصّوفُ فِي نَوَاصِي خَيْلِهِمْ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله
1 في ب، ت: "إن سراقة لا سراقة".
2 في ت: "يا حسرتاه".
3 في ث: "بعد انهزامهم".
عَلَيْهِ وَسَلّمَ: " إنّ الْمَلَائِكَةَ قد سومت فسومو ا" فَأَعْلَمُوا بِالصّوفِ فِي مَغَافِرِهِمْ وَقَلَانِسِهِمْ.
أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ وَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْلِمُونَ فِي الزّحُوفِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مُعْلِمٌ يَوْمَ بَدْر بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ وَكَانَ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ مُعْلِمًا بِصُوفَةٍ بَيْضَاءَ وَكَانَ الزّبَيْرُ مُعْلِمًا بِعِصَابَةٍ صَفْرَاءَ. وَكَانَ الزّبَيْرُ يُحَدّثُ إنّ الْمَلَائِكَةَ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ عَلَيْهَا عَمَائِمُ صُفْرٌ. فَكَانَ عَلَى الزّبَيْرِ يَوْمَئِذٍ عِصَابَةٌ صَفْرَاءُ وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ يُعْلِمُ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ.
حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُوسَى بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ مَوْلًى لِسُهَيْلٍ قَالَ سَمِعْت سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ لَقَدْ رَأَيْت يَوْمَ بَدْرٍ رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ مُعْلِمِينَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ. وَكَانَ أَبُو أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ يُحَدّثُ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَصَرُهُ قَالَ لَوْ كُنْت مَعَك الْآنَ بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمْ الشّعْبَ - وَهُوَ الْمَلْصُ1 - الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ لَا أَشُكّ فِيهِ وَلَا أَمْتَرِي. فَكَانَ يُحَدّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ حَدّثَهُ قَالَ أَقْبَلْت وَابْنُ عَمّ لِي يَوْمَ بَدْرٍ حَتّى صَعِدْنَا عَلَى جَبَلٍ وَنَحْنُ مُشْرِكَانِ وَنَحْنُ عَلَى إحْدَى عُجْمَتَيْ بَدْرٍ - الْعُجْمَةُ الشّامِيّةُ الْعُجْمَةُ مِنْ رَمْلٍ - نَنْتَظِرُ الْوَقْعَةَ عَلَى مَنْ تَكُونُ الدّائِرَةُ2 فَنَنْتَهِبُ مَعَ مَنْ يَنْتَهِبُ إذْ رَأَيْت سَحَابَةً دَنَتْ مِنّا، فَسَمِعْت فِيهَا حَمْحَمَةَ الْخَيْلِ وَقَعْقَعَةَ اللّجُمِ وَالْحَدِيدِ وَسَمِعْت قائلا يقول:
1 ملص بفتح أوله وإسكان ثانيه: موضع بعينه أنشد أبو حنيفة:
فما زال يسقى بطن ملص وعرعرا
وأرضهما حتى اطمأن جسيمها
"لسان العرب ج7، ص: 95".
2 في ب، ت، ح: "الدبرة".
أَقْدِمْ حَيْزُومُ فَأَمّا ابْنُ عَمّي فَانْكَشَفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ وَأَمّا أَنَا فَكِدْت أَهْلَكَ فَتَمَاسَكْت وَأَتْبَعْت الْبَصَرَ حَيْثُ تَذْهَبُ السّحَابَةُ فَجَاءَتْ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ ثُمّ رَجَعَتْ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمّا كُنْت أَسْمَعُ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ مَنْ الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ " أَقْدِمْ حَيْزُومُ "؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ يَا مُحَمّدُ مَا كُلّ أَهْلِ السّمَاءِ أَعْرِفُ.
قَالَ وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيّ عَنْ ابْنِ عَمّ لَهُ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا وَابْنُ عَمّ لِي عَلَى مَاءِ بَدْرٍ ، فَلَمّا رَأَيْنَا قِلّةَ مَنْ مَعَ مُحَمّدٍ وَكَثْرَةَ قُرَيْشٍ.
قُلْنَا: إذَا الْتَقَتْ الْفِئَتَانِ عَمَدْنَا إلَى عَسْكَرِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَانْطَلَقْنَا نَحْوَ الْمُجَنّبَةِ الْيُسْرَى مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ وَنَحْنُ نَقُولُ هَؤُلَاءِ رُبُعُ قُرَيْشٍ فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَمْشِي فِي الْمَيْسَرَةِ إذْ جَاءَتْ سَحَابَةٌ فَغَشِيَتْنَا، فَرَفَعْنَا أَبْصَارَنَا إلَيْهَا فَسَمِعْنَا أَصْوَاتَ الرّجَالِ وَالسّلَاحِ وَسَمِعْنَا رَجُلًا يَقُولُ لِفَرَسِهِ أَقْدِمْ حَيْزُومُ وَسَمِعْنَاهُمْ يَقُولُونَ رُوَيْدًا، تَتَامّ أُخْرَاكُمْ فَنَزَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمّ جَاءَتْ أُخْرَى مِثْلَ تِلْكَ. وَكَانَتْ مَعَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرْنَا إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فَإِذَا هُمْ الضّعْفُ عَلَى قُرَيْشٍ: فَمَاتَ ابْنُ عَمّي، وَأَمّا أَنَا فَتَمَاسَكْت وَأَخْبَرْت النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ.
قَالُوا : قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ما رؤى1 الشّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ
1 في الأصل: " ما رى "
فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَحْقَرُ1 وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ - وَمَا ذَاكَ إلّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزّلِ الرّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللّهِ عَنْ الذّنُوبِ الْعِظَامِ - إلّا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ ". قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: " أَمَا إنّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ ".
قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ: " هَذَا جِبْرِيلُ يَسُوقُ الرّيحَ كَأَنّهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيّ، إنّي نُصِرْت بِالصّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدّبُورِ ".
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ إبْرَاهِيمَ قَالَ كَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ رَأَيْت يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلَيْنِ عَنْ يَمِينِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا، وَعَنْ يَسَارِهِ أَحَدُهُمَا، يُقَاتِلَانِ أَشَدّ الْقِتَالِ ثُمّ ثَلّثَهُمَا ثَالِثٌ مِنْ خَلْفِهِ ثُمّ رَبّعَهُمَا رَابِعٌ أَمَامَهُ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللّهِ عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى سَعْدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ رَأَيْت رَجُلَيْنِ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَاتِلَانِ عَنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَسَارِهِ وَالْآخَرُ عَنْ يَمِينِهِ وَإِنّي لَأَرَاهُ يَنْظُرُ إلَى ذَا مَرّةً وَإِلَى ذَا مَرّةً سُرُورًا بِمَا ظَفّرَهُ2 اللّهُ تَعَالَى.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَا أَدْرِي كَمْ يَدٍ مَقْطُوعَةٍ وَضَرْبَةٍ جَائِفَةٍ3 لَمْ يَدْمَ كَلْمُهَا يَوْمَ بَدْرٍ قَدْ رَأَيْتهَا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي عُفَيْرٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ قال جئت
1 في ب: " ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ " وفي ح: "ولا أدحر ولا أغضب".
2 في ح: "بما فتحه".
3 الجائفة: طعنة تنبلغ الجوف. "القاموس المحيط ج3، ص: 125".
يَوْمَ بَدْرٍ بِثَلَاثَةِ رُءُوسٍ فَوَضَعْتهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللّهِ أَمّا رَأْسَانِ فَقَتَلْتهمَا، وَأَمّا الثّالِثُ فَإِنّي رَأَيْت رَجُلًا أَبْيَضَ طَوِيلًا ضَرَبَهُ فَتَدَهْدَى1 أَمَامَهُ فَأَخَذْت رَأْسَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاكَ فُلَانٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ لَمْ تُقَاتِلْ الْمَلَائِكَةُ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ.
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ كَانَ الْمَلَكُ يَتَصَوّرُ فِي صُورَةِ مَنْ يَعْرِفُونَ مِنْ النّاسِ يُثَبّتُونَهُمْ فَيَقُولُ إنّي قَدْ دَنَوْت مِنْهُمْ فَسَمِعْتهمْ يَقُولُونَ لَوْ حَمَلُوا عَلَيْنَا مَا ثَبَتْنَا، لَيْسُوا بِشَيْءٍ. وَذَلِكَ قَوْلُ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {إِذْ يُوحِي رَبّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا...} 2 إلَى آخِرِ الْآيَةِ.
فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ السّائِبُ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ الْأَسَدِيّ يُحَدّثُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ يَقُولُ وَاَللّهِ مَا أَسَرَنِي أَحَدٌ مِنْ النّاسِ. فَيُقَالُ فَمَنْ؟ فَيَقُولُ لَمّا انْهَزَمَتْ قُرَيْشٌ انْهَزَمْت مَعَهَا، فَيُدْرِكُنِي رَجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَأَوْثَقَنِي رِبَاطًا، وَجَاءَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَجَدَنِي مَرْبُوطًا، وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ يُنَادِي فِي الْمُعَسْكَرِ مَنْ أَسَرَ هَذَا؟ فَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنّهُ أَسَرَنِي، حَتّى انْتَهَى بِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا ابْنَ أَبِي حُبَيْشٍ مَنْ أَسَرَك "؟ فَقُلْت: لَا أَعْرِفُ. وَكَرِهْت أَنْ أُخْبِرَهُ بِاَلّذِي رَأَيْت، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَسَرَهُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ كَرِيمٌ اذْهَبْ يَا ابْنَ عَوْفٍ بِأَسِيرِك " فَذَهَبَ بِي عَبْدُ الرحمن.
1 تدهدى: تدحرج. "النهاية ج2، ص: 37".
2 سورة 8 الأنفال 12
فَقَالَ السّائِبُ فَمَا زَالَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ أَحْفَظُهَا، وَتَأَخّرَ إسْلَامِي حَتّى كَانَ مَا كَانَ مِنْ إسْلَامِي.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَائِذُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ أُكَيْمَةَ اللّيْثِيّ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، قَالَ لَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَقَدْ وَقَعَ بِوَادِي خَلْصٍ بِجَادٌ1 مِنْ السّمَاءِ قَدْ سَدّ الْأُفُقَ - وَوَادِي خَلْصٍ نَاحِيَةَ الرّوَيْثَةِ - فَإِذَا الْوَادِي يَسِيلُ نَمْلًا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنّ هَذَا شَيْءٌ مِنْ السّمَاءِ أُيّدَ بِهِ مُحَمّدٌ فَمَا كَانَتْ إلّا الْهَزِيمَةُ وَهِيَ الْمَلَائِكَةُ.
قَالُوا: وَنَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ أَبِي الْبَخْتَرِيّ وَكَانَ قَدْ لَبِسَ السّلَاحَ يَوْمًا بِمَكّةَ فِي بَعْضِ مَا كَانَ بَلَغَ مِنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَذَى. فَقَالَ لَا يَعْتَرِضُ الْيَوْمَ أَحَدٌ لِمُحَمّدٍ بِأَذًى إلّا وَضَعْت فِيهِ السّلَاحَ. فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيّ: فَلَحِقْته فَقُلْت: إنّ رَسُولَ اللّهِ قَدْ نَهَى عَنْ قَتْلِك إنْ أَعْطَيْت بِيَدِك. قَالَ وَمَا تُرِيدُ إلَيّ؟ إنْ كَانَ نَهَى عَنْ قَتْلِي قَدْ كُنْت أَبْلَيْته ذَلِكَ فَأَمّا أَنْ أُعْطِيَ بِيَدِي، فَوَاَللّاتِي وَالْعُزّى لَقَدْ عَلِمَ نِسْوَةٌ بِمَكّةَ أَنّي لَا أُعْطِي بِيَدِي، وَقَدْ عَرَفْت أَنّك لَا تَدَعَنِي، فَافْعَلْ الّذِي تُرِيدُ. وَرَمَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَهْمٍ وَقَالَ اللّهُمّ سَهْمُك، وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ عَبْدُك، فَضَعْهُ فِي مَقْتَلٍ وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ دَارِعٌ فَفَتَقَ السّهْمُ الدّرْعَ فَقَتَلَهُ. وَيُقَالُ إنّ الْمُجَذّرَ بْنَ ذِيَادٍ2 قَتَلَ أَبَا الْبَخْتَرِيّ وَلَا يَعْرِفُهُ. وَقَالَ الْمُجَذّرُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا3 عَرّفَ أَنّهُ قَتَلَهُ. ونهى النبي صلى
1 البجاد: الكساء، وفي حديث جبير بن مطعم: "نظرت والناس يقتتلون يوم حنين إلى مثل البجاد الأسود يهوي من السماء" أراد الملائكة. "النهاية ج1، ص: 60".
2 في ت: "المجذر بن زياد" بالزاي وما أثبتناه عن سائر النسخ، وهكذا ذكره ابن سعد أيضا. "الطبقات ج2، ص: 30".
3 ذكر ابن إسحاق أبيات المجذر. "السيرة النبوية ج2، ص: 282".
اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ قَتْلِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَقَالَ ائْسِرُوهُ وَلَا تَقْتُلُوهُ وَكَانَ كَارِهًا لِلْخُرُوجِ إلَى بَدْرٍ، فَلَقِيَهُ خُبَيْبُ بْنُ يَسَافٍ فَقَتَلَهُ وَلَا يَعْرِفُهُ فَبَلَغَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَوْ وَجَدْته قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ لَتَرَكْته لِنِسَائِهِ .
وَنَهَى عَنْ قَتْلِ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، فَقَتَلَهُ ثَابِتُ بْنُ الْجَذَعِ1 وَلَا يَعْرِفُهُ.
قَالُوا : وَلَمّا لَحِمَ الْقِتَالُ وَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَسْأَلُ اللّهَ تَعَالَى النّصْرَ وَمَا وَعَدَهُ يَقُولُ اللّهُمّ إنْ ظُهِرَ عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ ظَهَرَ الشّرْكُ وَلَا يَقُومُ لَك دِينٌ وَأَبُو بَكْر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَقُولُ وَاَللّهِ لَيَنْصُرَنك اللّهُ وَلَيُبَيّضَن وَجْهَك. فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ أَلْفًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ عِنْدَ أَكْنَافِ الْعَدُوّ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَبْشِرْ هَذَا جِبْرِيلُ مُعْتَجِرٌ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسِهِ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ. فَلَمّا نَزَلَ إلَى الْأَرْضِ تَغَيّبَ عَنّي سَاعَةً ثُمّ طَلَعَ عَلَى ثَنَايَاهُ النّقْعُ يَقُولُ أَتَاك نَصْرُ اللّهِ إذْ دَعَوْته .
قَالُوا : وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ مِنْ الْحَصْبَاءِ كَفّا فَرَمَاهُمْ بِهَا، وَقَالَ شَاهَتْ الْوُجُوهُ اللّهُمّ أَرْعِبْ قُلُوبَهُمْ وَزَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ فَانْهَزَمَ أَعْدَاءُ اللّهِ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ وَالْمُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَمَا بَقِيَ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا امْتَلَأَ وَجْهُهُ وَعَيْنَاهُ مَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجّهُ مِنْ عَيْنَيْهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَقْتُلُونَهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ.
وَقَالَ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ يَوْمَ بَدْرٍ:
أَنَا عَدِيّ وَالسّحْلِ ... أَمْشِي بِهَا مَشْيَ الْفَحْلِ
يعني درعه. فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ عَدِيّ "؟ فَقَالَ رَجُلٌ
1 في ب: "ثابت بن الجدع" بالدال المهملة وما أثبتناه عن سائر النسخ وابن عبد البر "الاستيعاب ص: 74".
مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ عدي. قال: " وماذ ا"؟ قَالَ ابْنَ فُلَانٍ. قَالَ: " لَسْت أَنْتَ عَدِيّا " فَقَالَ عَدِيّ بْنُ أَبِي الزّغْبَاءِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ عَدِيّ. قَالَ: " وَمَاذَا "؟ قَالَ وَالسّحْلُ أَمْشِي بِهَا مَشْيَ الْفَحْلِ. قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَا السّحْلُ "؟ قَالَ الدّرْعُ. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نِعْمَ الْعَدِيّ، عَدِيّ بْنَ أَبِي الزّغْبَاءِ " وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِمَكّةَ وَالنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَاجِرٌ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ يَقُولُ1:
يَا رَاكِبَ النّاقَةِ الْقَصْوَاءِ هَاجَرْنَا ... عَمّا قَلِيلٍ تَرَانِي رَاكِبَ الْفَرَسِ
أُعِلّ رُمْحِي فِيكُمْ ثُمّ أُنْهِلُهُ ... وَالسّيْفُ يَأْخُذُ مِنْكُمْ كُلّ مُلْتَبِسِ
أَنْشَدَنِيهَا ابْنُ أَبِي الزّنَادِ. فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَلَغَهُ قَوْلُهُ " اللّهُمّ أَكِبّهُ لِمَنْخَرِهِ وَاصْرَعْهُ " قَالَ فَجَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيّ، فَأَمَرَ بِهِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ2، فَضَرَبَ عُنُقَهُ صَبْرًا
وَكَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَقُولُ إنّي لَأَجْمَعُ أَدْرَاعًا لِي يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ أَنْ وَلّى النّاسُ فَإِذَا أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ وَكَانَ لِي صَدِيقًا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَكَانَ اسْمِي عَبْدَ عَمْرٍو فَلَمّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سُمّيت عَبْدَ الرّحْمَنِ فَكَانَ يَلْقَانِي فَيَقُولُ يَا عَبْدَ عَمْرٍو، فَلَا أُجِيبُهُ. فَيَقُولُ إنّي لَا أَقُولُ لَك عَبْدَ الرّحْمَنِ إنّ مُسَيْلِمَةَ بِالْيَمَامَةِ يَتَسَمّى بِالرّحْمَنِ فَأَنَا لَا أَدْعُوك إلَيْهِ. فَكَانَ يَدْعُونِي عَبْدَ الْإِلَهِ فَلَمّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ رَأَيْته عَلَى3 جَمَلٍ أَوْرَقَ وَمَعَهُ ابْنُهُ علي،
1 في ت: "كان يقول بمكة".
2 في الأصل: "الأفلح". وما أثبتناه عن سائر النسخ، والبلاذري. "أنساب الأشراف ج1، ص: 54".
3 هكذا في الأصل، وفي ب، ت: "رأيته كأنه جمل أورق". وفي ح: "كأنه جمل يساق".
فَنَادَانِي: يَا عَبْدَ عَمْرٍو. فَأَبَيْت أَنْ أُجِيبَهُ فَنَادَى: يَا عَبْدَ الْإِلَهِ. فَأَجَبْته، فَقَالَ أَمَا لَكُمْ حَاجَةٌ فِي اللّبَنِ1؟ نَحْنُ خَيْرٌ لَك مِنْ أَدْرَاعِك هَذِهِ. فَقُلْت: امْضِيَا فَجَعَلْت أَسُوقُهُمَا أَمَامِي.
وَقَدْ رَأَى أُمَيّةُ أَنّهُ قَدْ أَمِنَ بَعْضَ الْأَمْنِ فَقَالَ لِي أُمَيّةُ رَأَيْت رَجُلًا فِيكُمْ الْيَوْمَ مُعْلِمًا، فِي صَدْرِهِ رِيشَةُ نَعَامَةٍ مَنْ هُوَ؟ قُلْت: حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ. فَقَالَ ذَاكَ الّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ. ثُمّ قَالَ فَمَنْ رَجُلٌ دَحْدَاحٌ قَصِيرٌ مُعْلِمٌ بِعِصَابَةٍ حَمْرَاءَ؟ قَالَ قُلْت: ذَاكَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ سِمَاكُ بْنُ خَرَشَةَ2. فَقَالَ وَبِذَاكَ أَيْضًا يَا عَبْدَ الْإِلَهِ صِرْنَا الْيَوْمَ جُزُرًا لَكُمْ قَالَ فَبَيْنَا هُوَ مَعِي أُزْجِيهِ أَمَامِي، وَمَعَهُ ابْنُهُ إذْ بَصُرَ بِهِ بَلَالٌ وَهُوَ يَعْجِنُ عَجِينًا لَهُ [فَتَرَكَ الْعَجِينَ]3 وَجَعَلَ يَفْتِلُ يَدَيْهِ مِنْ الْعَجِينِ فَتْلًا ذَرِيعًا، وَهُوَ يُنَادِي: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ رَأْسُ الْكُفْرِ لَا نَجَوْت إنْ نَجَا قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ فَأَقْبَلُوا كَأَنّهُمْ عُوذٌ4 حَنّتْ إلَى أَوْلَادِهَا، حَتّى طُرِحَ أُمَيّةُ عَلَى ظَهْرِهِ وَاضْطَجَعْت عَلَيْهِ وَأَقْبَلَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَأَدْخَلَ سَيْفَهُ فَاقْتَطَعَ أَرْنَبَةَ أَنْفِهِ فَلَمّا فَقَدَ أُمَيّةُ أَنْفَهُ قَالَ إيه عَنْك أَيْ خَلّ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ. قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ فَذَكَرْت قَوْلَ حَسّانٍ:
أَوْ عَنْ ذَلِكَ الْأَنْفِ جَادِع
وَأَقْبَلَ إلَيْهِ خُبَيْبُ بْنُ يَسَافٍ فَضَرَبَهُ حَتّى قَتَلَهُ وَقَدْ ضَرَبَ أُمَيّةُ خُبَيْبَ بْنَ يَسَافٍ حَتّى قَطَعَ يَدَهُ مِنْ الْمَنْكِبِ فَأَعَادَهَا النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ5 فَالْتَحَمَتْ وَاسْتَوَتْ فَتَزَوّجَ خُبَيْبٌ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنَةَ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ، فَرَأَتْ تِلْكَ الضّرْبَةَ فقالت
1 قال ابن هشام: يريد باللبن أن من أسرني افتديت منه بإبل كثيرة اللبن، "السيرة النبوية ج2، ص: 284".
2 وهو أبو دجانة.
3 الزيادة عن ب، ت، ح.
4 العوذ: الحديثات النتاج من الظباء وكل أنثى. "القاموس المحيط ج1، ص: 356".
5 في ب، ت: "فأعادها الننبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيده".
لَا يُشِلّ اللّهُ يَدَ رَجُلٍ [فَعَلَ]1 هَذَا فَقَالَ خُبَيْبٌ وَأَنَا وَاَللّهِ قَدْ أَوْرَدَتْهُ شَعُوبٌ.
فَكَانَ خُبَيْبٌ يُحَدّثُ قَالَ فَأَضْرِبُهُ فَوْقَ الْعَاتِقِ فَأَقْطَعُ عَاتِقَهُ حَتّى بَلَغْت مُؤْتَزَرَهُ وَعَلَيْهِ الدّرْعُ وَأَنَا أَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ يَسَافٍ وَأَخَذْت سِلَاحَهُ وَدِرْعَهُ مَقْطُوعَةٌ. وَأَقْبَلَ عَلِيّ بْنُ أُمَيّةَ فَيَعْتَرِضُ لَهُ الْحُبَابُ فَقَطَعَ رِجْلَهُ فَصَاحَ صَيْحَةً مَا سُمِعَ مِثْلُهَا قَطّ جَزَعًا، وَلَقِيَهُ عَمّارٌ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَقَتَلَهُ. وَيُقَالُ إنّ عَمّارًا لَاقَاهُ قَبْلَ الضّرْبَةِ2 فَاخْتَلَفَا ضَرَبَاتٍ فَقَتَلَهُ. وَالْأَوّلُ أَثْبَتُ أَنّهُ ضَرَبَهُ بَعْدَ مَا قُطِعَتْ رِجْلُهُ وَقَدْ سَمِعْنَا فِي قَتْلِ أُمَيّةَ غَيْرَ ذَلِكَ.
حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ وَأَحْدَقْنَا بِأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ وَكَانَ لَهُ فِيهِمْ شَأْنٌ وَمَعِي رُمْحِي وَمَعَهُ رُمْحُهُ فَتَطَاعَنَا حَتّى سَقَطَتْ رِمَاحُنَا3 ثُمّ صِرْنَا إلَى السّيْفَيْنِ فَتَضَارَبْنَا بِهِمَا حَتّى انْثَلَمَا، ثُمّ بَصُرْت بِفَتْقٍ فِي دِرْعِهِ تَحْتَ إبِطِهِ فَخَشَشْت4 السّيْفَ فِيهِ حَتّى قَتَلْته، وَخَرَجَ السّيْفُ وَعَلَيْهِ الْوَدَكُ. وَقَدْ سَمِعْنَا وَجْهًا آخَرَ.
حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ قَالَتْ قَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ لِقُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ: يَا قُدَامَةُ أَنْتَ الْمُشْلِي بِأَبِي يَوْمَ بَدْرٍ النّاسَ فَقَالَ قُدَامَةُ لَا وَاَللّهِ مَا فَعَلْت، وَلَوْ فَعَلْت مَا اعْتَذَرْت مِنْ قَتْلِ مُشْرِكٍ. قَالَ صَفْوَانُ فَمَنْ يَا قُدّامُ الْمُشْلِي به يوم
1 الزيادة عن ب، ت، ح.
2 أي قبل ضربة الحباب.
3 في ب، ت، ح: "أزجتهما".
4 في ب، ح: "حششت"، وخششت: أدخلت. "النهاية ج1، ص: 295".
بَدْرٍ النّاسَ؟ قَالَ رَأَيْت فِتْيَةً مِنْ الْأَنْصَارِ أَقْبَلُوا إلَيْهِ فِيهِمْ مَعْمَرُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ يَرْفَعُ سَيْفَهُ وَيَضَعُهُ [فِيهِ]. فَيَقُولُ صَفْوَانُ أَبُو قِرْدٍ وَكَانَ مَعْمَرٌ رَجُلًا دَمِيمًا، فَسَمِعَ بِذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ فَغَضِبَ لَهُ فَدَخَلَ عَلَى أُمّ صَفْوَانَ وَهِيَ كَرِيمَةُ بِنْتُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبٍ فَقَالَ مَا يَدَعُنَا صَفْوَانُ مِنْ الْأَذَى فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالْإِسْلَامِ فَقَالَتْ وَمَا ذَاكَ؟ فَأَخْبَرَهَا بِمَقَالَةِ صَفْوَانَ لِمَعْمَرٍ حِينَ قَالَ " أَبُو قِرْدٍ ". فَقَالَتْ أُمّ صَفْوَانَ يَا صَفْوَانُ تَنْتَقِصُ مَعْمَرَ بْنَ حَبِيبٍ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ وَاَللّهِ لَا أَقْبَلُ لَك كَرَامَةً سَنَةً. قَالَ صَفْوَانُ يَا أُمّهُ وَاَللّهِ لَا أَعُودُ أَبَدًا، تَكَلّمْت بِكَلِمَةٍ لَمْ أُلْقِ بِهَا بَالًا.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنِي الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ قُدَامَةَ قَالَتْ قِيلَ لِأُمّ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ، وَنَظَرَتْ إلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ بِمَكّةَ هَذَا الّذِي قَطَعَ رِجْلَ عَلِيّ بْنِ أُمَيّةَ يَوْمَ بَدْرٍ. قَالَتْ دَعُونَا مِنْ ذِكْرِ مَنْ قُتِلَ عَلَى الشّرْكِ قَدْ أَهَانَ اللّهُ عَلِيّا بِضَرْبَةِ الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَكْرَمَ اللّهُ الْحُبَابَ بِضَرْبِهِ عَلِيّا، قَدْ كَانَ عَلَى الْإِسْلَامِ حِينَ خَرَجَ مِنْ هَاهُنَا، فَقُتِلَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قَالُوا : وَقَالَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ: لَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ لَقِيت عُبَيْدَةَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَلَى فَرَسٍ عَلَيْهِ لَأْمَةٌ كَامِلَةٌ لَا يُرَى مِنْهُ إلّا عَيْنَاهُ وَهُوَ يَقُولُ - وَقَدْ كَانَتْ لَهُ صَبِيّةٌ صَغِيرَةٌ يَحْمِلُهَا، وَكَانَ لَهَا بُطَيْنٌ وَكَانَتْ مُسْقِمَةً - أَنَا أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ أَنَا أَبُو ذَاتِ الْكَرِشِ قَالَ وَفِي يَدِي عنزة1
1 العنزة: الرمح الصغير، قال القالي: قال أبو العباس ثعلب: سميت العنزة عنزة من قولهم: اعتنز الرجل إذا تنحى، وذلك أن الإمام يجعلها بين يديه إذا صلى ويقف دونها فتكون ناحية عنه. "ذيل الأمالي والنوادر ص: 162".
فَأَطْعَنُ بِهَا فِي عَيْنِهِ وَوَقَعَ وَأَطَأُ بِرِجْلِي عَلَى خَدّهِ حَتّى أَخْرَجْت الْعَنَزَةَ مِنْ حَدَقَتِهِ1 وَأَخْرَجْت حَدَقَتَهُ. وَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَنَزَةَ فَكَانَتْ تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِمْ.
وَلَمّا جَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاخْتَلَطُوا، أَقْبَلَ عَاصِمُ بْنُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ السّهْمِيّ كَأَنّهُ ذِئْبٌ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، عَلَيْكُمْ بِالْقَاطِعِ مُفَرّقِ الْجَمَاعَةِ الْآتِي بِمَا لَا يُعْرَفُ مُحَمّدٍ لَا نَجَوْت إنْ نَجَا وَيَعْتَرِضُهُ أَبُو دُجَانَةَ فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ وَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ. وَوَقَفَ عَلَى سَلَبِهِ يَسْلُبُهُ فَمَرّ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَالَ دَعْ سَلَبَهُ حَتّى يُجْهَضَ2 الْعَدُوّ، وَأَنَا أَشْهَدُ لَك بِهِ. وَيُقْبِلُ مَعْبَدُ بْنُ وَهْبٍ، فَضَرَبَ أَبَا دُجَانَةَ ضَرْبَةً بَرَكَ أَبُو دُجَانَةَ كَمَا يَبْرُكُ الْجَمَلُ ثُمّ انْتَهَضَ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَضَرَبَهُ ضَرَبَاتٍ لَمْ يَصْنَعْ سَيْفُهُ شَيْئًا، حَتّى يَقَعُ مَعْبَدٌ بِحُفْرَةٍ أَمَامَهُ لَا يَرَاهَا، وَبَرَكَ عَلَيْهِ أَبُو دُجَانَةَ فَذَبَحَهُ ذَبْحًا، وَأَخَذَ سَلَبَهُ.
قَالُوا : وَلَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ وَرَأَتْ بَنُو مَخْزُومٍ مَقْتَلَ مَنْ قُتِلَ قَالُوا: أَبُو الْحَكَمِ لَا يَخْلُصُ إلَيْهِ، فَإِنّ ابْنَيْ رَبِيعَةَ قَدْ عَجّلَا وَبَطِرَا، وَلَمْ تُحَامِ عَلَيْهِمَا عَشِيرَتُهُمَا. فَاجْتَمَعَتْ بَنُو مَخْزُومٍ فَأَحْدَقُوا بِهِ فَجَعَلُوهُ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ3. وَأَجْمَعُوا أَنْ يَلْبَسُوا لَأْمَةَ أَبِي جَهْلٍ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَلْبَسُوهَا عَبْدَ اللّهِ بْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي رِفَاعَةَ، فَصَمَدَ لَهُ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَرَاهُ أَبَا جَهْلٍ وَمَضَى عَنْهُ وَهُوَ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ ثُمّ أَلْبَسُوهَا أَبَا قَيْسِ بْنَ الْفَاكِهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَصَمَدَ لَهُ حَمْزَةُ وَهُوَ يَرَاهُ أَبَا جَهْلٍ فضربه
1 هكذا في الأصل. وفي ب، ت: "منعقفه" وفي ح: "متعقفة".
2 في ت: "نجهض".
3 قال ابن هشام: الحرجة الشجر الملتف. وفي الحديث عن عمر بن الخطاب أنه سأل أعرابيا عن الحرجة فقال: هي شجرة بين الأشجار لا يوصل إليها. "السيرة النبةية ج2، ص: 287".
فَقَتَلَهُ وَهُوَ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ثُمّ أَلْبَسُوهَا حَرْمَلَةَ بْنَ عَمْرٍو، فَصَمَدَ لَهُ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ فَقَتَلَهُ وَأَبُو جَهْلٍ فِي أَصْحَابِهِ. ثُمّ أَرَادُوا أَنْ يُلْبِسُوهَا خَالِدَ بْنَ الْأَعْلَمِ فَأَبَى أَنْ يَلْبَسَهَا يَوْمَئِذٍ. فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ: نَظَرْت إلَى أَبِي جَهْلٍ فِي مِثْلِ الْحَرَجَةِ. وَهُمْ يَقُولُونَ أَبُو الْحَكَمِ لَا يَخْلُصُ إلَيْهِ فَعَرَفْت أَنّهُ هُوَ فَقُلْت: وَاَللّهِ لَأَمُوتَن دُونَهُ الْيَوْمَ أَوْ لَأَخْلُصَن إلَيْهِ فَصَمَدْت لَهُ حَتّى إذَا أَمْكَنَتْنِي مِنْهُ غِرّةٌ حَمَلْت عَلَيْهِ فَضَرَبْته ضَرْبَةً وَطَرَحْت رِجْلَهُ مِنْ السّاقِ فَشَبّهْتهَا بِالنّوَاةِ تَنْزُو مِنْ تَحْتِ الْمَرَاضِخِ1. ثُمّ أَقْبَلَ ابْنُهُ عِكْرِمَةُ عَلَيّ فَضَرَبَنِي عَلَى عَاتِقِي. وَطَرَحَ يَدِي مِنْ الْعَاتِقِ إلّا أَنّهُ قَدْ بَقِيَتْ جِلْدَةٌ فَإِنّي أَسْحَبُ يَدِي بِجِلْدَةٍ مِنْ خَلْفِي، فَلَمّا آذَتْنِي وَضَعْت عَلَيْهَا رِجْلِي، فَتَمَطّيْت عَلَيْهَا حَتّى قَطَعْتهَا. ثُمّ لَاقَيْت عِكْرِمَةَ وَهُوَ يَلُوذُ كُلّ مَلَاذٍ فَلَوْ كَانَتْ يَدِي مَعِي لَرَجَوْت يَوْمَئِذٍ أَنْ أُصِيبَهُ. وَمَاتَ مُعَاذٌ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو مَرْوَانَ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ، قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنّ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفّلَ مُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ - وَهُوَ عِنْدَ آلِ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو الْيَوْمَ بِهِ فَلّ - بَعْدَ أَنْ أَرْسَلَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَسَأَلَهُ مَنْ قَتَلَ أَبَاك؟ قَالَ الّذِي قَطَعْت يَدَهُ. فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ عِكْرِمَةُ قَدْ قَطَعَ يَدَهُ يَوْمَ بَدْرٍ
حَدّثَنِي ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا كَانَ بَنُو الْمُغِيرَةِ يَشُكّونَ أَنّ سَيْفَ أَبِي الْحَكَم صَارَ إلَى مُعَاذِ بْنِ عمرو بن
1 المراضخ: جمع المرضخة، والمرضخة حجر يرضخ به النوى، أي يكسر. "النهاية ج2، ص: 84".
الجموح وَهُوَ الّذِي قَتَلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ عَنْ يُونُسَ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدّثَنِي مَنْ حَدّثَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو أَنّهُ قَضَى لَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَلَبِ أَبِي جَهْلٍ. قَالَ فَأَخَذْت دِرْعَهُ وَسَيْفَهُ فَبِعْت سَيْفَهُ بَعْدُ وَقَدْ سَمِعْت فِي قَتْلِهِ غَيْرَ هَذَا وَأَخْذِ سَلَبِهِ.
حَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ عَبّأَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَيْلٍ فَصَفّنَا، فَأَصْبَحْنَا وَنَحْنُ عَلَى صُفُوفِنَا، فَإِذَا بِغُلَامَيْنِ لَيْسَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ إلّا وَقَدْ رُبِطَتْ حَمَائِلُ1 سَيْفِهِ فِي عُنُقِهِ فَالْتَفَتَ إلَيّ أَحَدُهُمَا فَقَالَ يَا عَمّ أَيّهُمْ أَبُو جَهْلٍ؟ قَالَ قُلْت: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ بَلَغَنِي أَنّهُ يَسُبّ رَسُولَ اللّهِ فَحَلَفْت لَئِنْ رَأَيْته لَأَقْتُلَنهُ أَوْ لَأَمُوتَن دُونَهُ. فَأَشَرْت لَهُ إلَيْهِ وَالْتَفَتَ إلَيّ الْآخَرُ فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ فَأَشَرْت لَهُ إلَيْهِ فَقُلْت: مَنْ أَنْتُمَا؟ قَالَا: ابْنَا الْحَارِثِ. قَالَ فَجَعَلَا لَا يَطْرِفَانِ عَنْ أَبِي جَهْلٍ حَتّى إذَا كَانَ الْقِتَالُ خَلَصَا إلَيْهِ فَقَتَلَاهُ وَقَتَلَهُمَا
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ وَلَدِ مُعَوّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى بْنِ زَيْدِ بن ثابت، قَالَ لَمّا كَانَ يَوْمَئِذٍ قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ، وَنَظَرَ إلَيْهِمَا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ لَيْتَهُ كَانَ إلَى جَنْبِي مَنْ هُوَ آيَدُ2 مِنْ هَذَيْنِ الْفَتَيَيْنِ. فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ الْتَفَتَ إلَيّ عَوْفٌ فَقَالَ أَيّهُمْ أَبُو جَهْلٍ؟ فَقُلْت: ذَاكَ حَيْثُ تَرَى. فَخَرَجَ يَعْدُو إلَيْهِ كَأَنّهُ سَبُعٌ وَلَحِقَهُ أَخُوهُ فَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْهِمَا يَضْطَرِبَانِ بِالسّيُوفِ
1 أي قد ربطت حمائل سيفه في عنقه لصغره.
2 في ح: "أبدن من".
ثُمّ نَظَرْت إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرّ بِهِمَا فِي الْقَتْلَى وَهُمَا إلَى جَنْبِهِ1
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمّدُ بْنُ رِفَاعَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ قَالَ سَمِعْت أَبِي يُنْكِرُ مَا يَقُولُ النّاسُ فِي ابْنَيْ عَفْرَاءَ مِنْ صِغَرِهِمْ وَيَقُولُ كَانَا يَوْمَ بَدْرٍ أَصْغَرُهُمَا ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً فَهَذَا يَرْبِطُ حَمَائِلَ سَيْفِهِ؟ وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَثْبَتُ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ رُبَيّعَ بِنْتِ مُعَوّذٍ قَالَتْ دَخَلْت فِي نِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتَ مُخَرّبَةَ2 أُمّ أَبِي جَهْلٍ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، وَكَانَ ابْنُهَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ يَبْعَثُ إلَيْهَا بِعِطْرٍ مِنْ الْيَمَنِ، وَكَانَتْ تَبِيعُهُ إلَى الْأَعْطِيَةِ فَكُنّا نَشْتَرِي مِنْهَا ; فَلَمّا جَعَلَتْ لِي فِي قَوَارِيرِي، وَوَزَنَتْ لِي كَمَا وَزَنَتْ لِصَوَاحِبِي، قَالَتْ اُكْتُبْنَ لِي عَلَيْكُنّ حَقّي. فَقُلْت: نَعَمْ أَكْتُبُ لَهَا عَلَى الرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ. فَقَالَتْ أَسْمَاءُ حَلْقَى، وَإِنّك لَابْنَةُ قَاتِلِ سَيّدِهِ؟ قَالَتْ قُلْت: لَا، وَلَكِنْ ابْنَةُ قَاتِلِ عَبْدِهِ. قَالَتْ وَاَللّهِ لَا أَبِيعُك شَيْئًا أَبَدًا. فَقُلْت: وَأَنَا، وَاَللّهِ لَا أَشْتَرِي مِنْك شَيْئًا أَبَدًا فَوَاَللّهِ مَا هُوَ بِطِيبٍ وَلَا عَرْفٍ3 وَاَللّهِ يَا بُنَيّ مَا شَمَمْت عِطْرًا قَطّ كَانَ أَطْيَبَ مِنْهُ وَلَكِنْ يَا بُنَيّ غضبت
قالوا : وَلَمّا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُلْتَمَسَ أَبُو جَهْلٍ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَوَجَدْته فِي آخِرِ رَمَقٍ فَوَضَعْت رِجْلِي
1 في ح: "وهما إلى جانب أبي جهل".
2 في الأصل: " مخرمة" وما أثبتناه عن طسائر النسخ، وعن ابن سعد. "الطبقات ج3، ص: 194".
3 في الأصل، وب: "ولا عرق" وما أثبتناه عن ت، ح.
عَلَى عُنُقِهِ فَقُلْت: الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَخْزَاك قَالَ إنّمَا أَخْزَى اللّهُ عَبْدَ ابْنِ أُمّ عَبْدٍ لَقَدْ ارْتَقَيْت مُرْتَقًى صَعْبًا يَا رُوَيْعِيَ الْغَنَمِ لِمَنْ الدّائِرَةُ1؟ قُلْت: لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَأَقْتَلِعُ بَيْضَتَهُ عَنْ قَفَاهُ فَقُلْت: إنّي قَاتِلُك يَا أَبَا جَهْلٍ قَالَ لَسْت بِأَوّلِ عَبْدٍ قَتَلَ سَيّدَهُ أَمَا إنّ أَشَدّ مَا لَقِيته الْيَوْمَ فِي نَفْسِي لِقَتْلِك إيّايَ أَلَا يَكُونُ وَلِيَ قَتْلِي رَجُلٌ مِنْ الْأَحْلَافِ أَوْ مِنْ الْمُطَيّبِينَ فَضَرَبَهُ عَبْدُ اللّهِ ضَرْبَةً وَوَقَعَ رَأْسُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ سَلَبُهُ فَلَمّا نَظَرَ إلَى جَسَدِهِ نَظَرَ إلَى حُصُرِهِ2 كَأَنّهَا السّيَاطُ. وَأَقْبَلَ بِسِلَاحِهِ وَدِرْعِهِ وَبَيْضَتِهِ. فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا نَبِيّ اللّهِ بِقَتْلِ عَدُوّ اللّهِ أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَحَقّا، يَا عَبْدَ اللّهِ؟ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ حُمُرِ النّعَمِ " - أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ وَذَكَرْت لِلنّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بِهِ مِنْ الْآثَارِ فَقَالَ: " ذَلِكَ ضَرْبُ الْمَلَائِكَةِ " وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ أَصَابَهُ جَحْشٌ3 مِنْ دُفَعٍ دَفَعَتْهُ فِي مَأْدُبَةِ ابْنِ جُدْعَانَ، فَجَحَشَتْ رُكْبَتَهُ ". فَالْتَمِسُوهُ فَوَجَدُوا ذَلِكَ الْأَثَرَ وَيُقَالُ إنّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ كَانَ عِنْدَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ السّاعَةَ فَوَجَدَ فِي نَفْسِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَنْتَ قَتَلْته؟ قَالَ نَعَمْ اللّهُ قَتَلَهُ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ أَنْتَ وَلِيت قَتْلَهُ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ لَوْ شَاءَ لَجَعَلَك فِي كُمّهِ. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُود فَقَدْ وَاَللّهِ قَتَلْته وَجَرّدْته. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَمَا عَلَامَتُهُ؟ قَالَ شَامَةٌ سَوْدَاءُ بِبَطْنِ فَخِذِهِ الْيُمْنَى. فَعَرَفَ أَبُو سَلَمَةَ النّعْتَ وقال
1 في ب، ح: "الدبرة".
2 في الأصل: "حفرة". وفي ب، ت: "خصره". ولعل الصواب ما أثبتناه. والحصر جمع الحصير وهو جنب الجسم. "مقاييس اللغة ج2، ص: 72".
3 الجحش: سحج الجلد، أي قشره. "الصحاح ص: 997".
جَرّدْته وَلَمْ يُجَرّدْ قُرَشِيّ غَيْرُهُ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَاَللّهِ إنّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قُرَيْشٍ وَلَا فِي حُلَفَائِهَا أَحَدٌ أَعْدَى لِلّهِ وَلَا لِرَسُولِهِ مِنْهُ وَمَا أَعْتَذِرُ مِنْ شَيْءٍ صَنَعْته بِهِ. فَأُسْكِتَ أَبُو سَلَمَةَ فَسُمِعَ أَبُو سَلَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي أَبِي جَهْلٍ.
وَفَرِحَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ أَبِي جَهْلٍ، وَقَالَ: " اللّهُمّ قَدْ أَنْجَزْت مَا وَعَدْتنِي فَتَمّمْ عَلَيّ نِعْمَتَك " وَقَالَ فَآلُ ابْنِ مَسْعُود يَقُولُونَ سَيْفُ أَبِي جَهْلٍ عِنْدَنَا، مُحَلّى بِفِضّةٍ غَنِمَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَوْمَئِذٍ.
فَاجْتَمَعَ قَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرٍو وَابْنَيْ عَفْرَاء أَثْبَتُوهُ وَضَرَبَ ابْنُ مَسْعُود عُنُقَهُ فِي آخِرِ رَمَقٍ فَكُلّ قَدْ شَرِكَ فِي قَتْلِهِ.
قَالُوا: وَوَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَصْرَعِ ابْنَيْ عَفْرَاءَ فَقَالَ: " يَرْحَمُ اللّهُ ابْنَيْ عَفْرَاءَ، فَإِنّهُمَا قَدْ شَرِكَا فِي قَتْلِ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمّةِ وَرَأْسِ أَئِمّةِ الْكُفْرِ " فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَنْ قَتَلَهُ مَعَهُمَا؟ قَالَ: " الْمَلَائِكَةَ وَذَافّهُ1 ابْنُ مَسْعُودٍ. فَكُلّ قَدْ شَرِكَ فِي قَتْلِهِ ".
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مَعْمَرٌ عَنْ الزّهْرِيّ، قال قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللّهُمّ اكْفِنِي نَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدٍ " وَأَقْبَلَ نَوْفَلٌ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ مَرْعُوبٌ قَدْ رَأَى قَتْلَ أَصْحَابِهِ وَكَانَ فِي أَوّلِ مَا الْتَقَوْا هُمْ وَالْمُسْلِمُونَ يَصِيحُ بِصَوْتٍ لَهُ زَجَلٌ رَافِعًا صَوْتَهُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ الْعَلَاءِ وَالرّفْعَةِ فَلَمّا رَأَى قُرَيْشًا قَدْ انْكَسَرَتْ2 جَعَلَ يَصِيحُ بِالْأَنْصَارِ: مَا حَاجَتُكُمْ إلَى دِمَائِنَا؟ أَمَا تَرَوْنَ مَا تَقْتُلُونَ؟ أَمَا لَكُمْ فِي اللّبَنِ مِنْ حَاجَةٍ؟ فَأَسَرَهُ جَبّارُ بْنُ3 صَخْرٍ فَهُوَ يَسُوقُهُ أَمَامَهُ فَجَعَلَ
1 ذافه: أجهر عليه. "الصحاح ص: 1360".
2 في ب، ت، ح: "انكشف".
3 في الأصل: "حيان بن صخر"؛ وما أثبتناه عن سائر النسخ وعن ابن سعد. "الطبقاغت ج3، ص: 114".
نَوْفَلٌ يَقُولُ لِجَبّارٍ - وَرَأَى عَلِيّا مُقْبِلًا نَحْوَهُ - قَالَ يَا أَخَا الْأَنْصَارِ، مَنْ هَذَا؟ وَاَللّاتِي وَالْعُزّى، إنّي لَأَرَى رَجُلًا، إنّهُ لَيُرِيدُنِي قَالَ هَذَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. قَالَ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْرَعَ فِي قَوْمِهِ مِنْهُ فَيَصْمُدُ لَهُ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ1 فَيَضْرِبُهُ فَنَشِبَ سَيْفُ عَلِيّ فِي حَجَفَتِهِ سَاعَةً ثُمّ نَزَعَهُ فَيَضْرِبُ سَاقَيْهِ وَدِرْعُهُ مُشَمّرَةٌ فَقَطَعَهُمَا ; ثُمّ أَجْهَزَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِنَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدٍ "؟ فَقَالَ عَلِيّ: أَنَا قَتَلْته. قَالَ فَكَبّرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ: " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَجَابَ دَعْوَتِي فِيهِ ".
وَأَقْبَلَ الْعَاصُ بْنُ سَعِيدٍ يُحِثّ2 لِلْقِتَالِ فَالْتَقَى هُوَ وَعَلِيّ، فَقَتَلَهُ عَلِيّ. فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يَقُولُ لِابْنِهِ سَعِيدِ[بْنِ الْعَاصِ3: إنّي لَأَرَاك مُعْرِضًا، تَظُنّ أَنّي قَتَلْت أَبَاك؟ [فِي أَصْلِ ابْنِ أَبِي حَيّةَ وَاَللّهِ مَا قَتَلْت أَبَاك]4 وَلَا أَعْتَذِرُ مِنْ قَتْلِ مُشْرِكٍ وَلَقَدْ قَتَلْت خَالِي بِيَدَيّ الْعَاصَ بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ لَوْ قَتَلْته لَكَانَ عَلَى الْبَاطِلِ وَأَنْتَ عَلَى الْحَقّ. قَالَ قُرَيْشٌ أَعْظَمُ النّاسِ أَحْلَامًا، وَأَعْظَمُهَا أَمَانَةً لَا يَبْغِيهِمْ أَحَدٌ الْغَوَائِلَ إلّا كَبّهُ اللّهُ لِفِيهِ5.
وَكَانَ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ يَقُولُ إنّي يَوْمَئِذٍ بَعْدَ مَا ارْتَفَعَ6 النّهَارُ وَنَحْنُ وَالْمُشْرِكُونَ قَدْ اخْتَلَطَتْ صُفُوفُنَا وَصُفُوفُهُمْ خَرَجْت فِي إثْرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ عَلَى كَثِيبِ رَمْلٍ وَسَعْدُ بن خيثمة، وهما
1 الزيادة عن ب، ت، ح.
2 في الأصل: "يبحث" والمثبت من ب، ت.
3 الزيادة عن ب، ت، ح.
4 وهو في الأصل فقط.
5 في الأصل: "لغيه" والمثبت من سائر النسخ.
6 في ح: "بعد ما متع".
يَقْتَتِلَانِ حَتّى قَتَلَ الْمُشْرِكُ سَعْدَ بْنَ خَيْثَمَةَ. وَالْمُشْرِكُ مُقَنّعٌ فِي الْحَدِيدِ وَكَانَ فَارِسًا، فَاقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَرَفَنِي وَهُوَ مُعْلِمٌ وَلَا أَعْرِفُهُ فَنَادَانِي: هَلُمّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ لِلْبِرَازِ قَالَ فَعَطَفْت عَلَيْهِ فَانْحَطّ إلَيّ مُقْبِلًا، وَكُنْت رَجُلًا قَصِيرًا، فَانْحَطَطْت رَاجِعًا لِكَيْ يَنْزِلَ إلَيّ فَكَرِهْت أَنْ يَعْلُوَنِي بِالسّيْفِ. فَقَالَ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَرَرْت؟ فَقُلْت: قَرِيبًا مَفَرّ1، ابْنَ الشّتْرَاءِ قَالَ فَلَمّا اسْتَقَرّتْ قَدَمَايَ وَثَبُتّ أَقْبَلَ فَلَمّا دَنَا مِنّي ضَرَبَنِي، فَاتّقَيْت بِالدّرَقَةِ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فَلَحِجَ - يَعْنِي لَزِمَ - فَأَضْرِبُهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَهُوَ دَارِعٌ فَارْتَعَشَ وَلَقَدْ فَضّ2 سَيْفِي دِرْعَهُ فَظَنَنْت أَنّ سَيْفِي سَيَقْتُلُهُ فَإِذَا بَرِيقُ سَيْفٍ مِنْ وَرَائِي، فَطَأْطَأْت رَأْسِي وَيَقَعُ السّيْفُ فَأَطَنّ3 قِحْفَ رَأْسِهِ بِالْبَيْضَةِ وَهُوَ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَالْتَفَتّ مِنْ وَرَائِي فَإِذَا حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ4
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ الْجَحْشِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمّتِهِ قَالَتْ قَالَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ انْقَطَعَ سَيْفِي فِي يَوْمِ بَدْرٍ، فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا، فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَقَاتَلْت بِهِ حَتّى هَزَمَ اللّهُ الْمُشْرِكِينَ - فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى هَلَكَ
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ أَخْبَرَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل عدة قالوا: انْكَسَرَ سَيْفُ سَلَمَةَ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَبَقِيَ أَعْزَلَ لَا سِلَاحَ مَعَهُ
1 في ت: "مقر"
2 هكذا في الأصل، وفي سائر النسخ: "قط" والفض: الكسر بالتفرقة. "الصحاح ص: 1098".
3 في ت: "فيطن".
4 في ح: "فإذا هو حمزة عمي والمقتول طعيمة بن عدي".
فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضِيبًا كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ عَرَاجِينِ1 ابْنِ طَابٍ فَقَالَ اضْرِبْ بِهِ فَإِذَا هُوَ سَيْفٌ جَيّدٌ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أَبِي عُبَيْدٍ وَقَالَ بَيْنَا حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَارِعٌ فِي الْحَوْضِ إذْ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ2 فَوَقَعَ فِي نَحْرِهِ فَلَقَدْ شَرِبَ الْقَوْمُ آخِرَ النّهَارِ مِنْ دَمِهِ. فَبَلَغَ أُمّهُ وَأُخْتَه وَهُمَا بِالْمَدِينَةِ مَقْتَلَهُ فَقَالَتْ أُمّهُ وَاَللّهِ لَا أَبْكِي عَلَيْهِ حَتّى يَقْدَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْأَلُهُ فَإِنْ كَانَ ابْنِي فِي الْجَنّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ ابْنِي فِي النّارِ بَكَيْته لَعَمْرِ اللّهِ فَأَعْوَلْتُهُ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَدْرٍ جَاءَتْ أُمّهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ عَرَفْت مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي، فَأَرَدْت أَنْ أَبْكِيَ عَلَيْهِ فَقُلْت: لَا أَفْعَلُ حَتّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللّهِ؟ فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي النّارِ بَكَيْته فَأَعْوَلْتُهُ. فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَبِلْت، أَجَنّةٌ وَاحِدَةٌ؟ إنّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّهُ لَفِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى ". قَالَتْ فَلَا أَبْكِي عَلَيْهِ أَبَدًا وَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهِ وَمَضْمَضَ فَاهُ ثُمّ نَاوَلَ أُمّ حَارِثَةَ فَشَرِبَتْ ثُمّ نَاوَلَتْ ابْنَتَهَا فَشَرِبَتْ ثُمّ أَمَرَهُمَا فَنَضَحَتَا فِي جُيُوبِهِمَا، فَفَعَلَتَا فَرَجَعَتَا مِنْ عِنْدِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا بِالْمَدِينَةِ امْرَأَتَانِ أَقَرّ أَعْيُنًا مِنْهُمَا وَلَا أَسَرّ
قَالُوا : وَكَانَ هُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ لَمّا رَأَى الْهَزِيمَةَ انْخَزَلَ3 ظَهْرُهُ فَعَقِرَ4
1 في ت: عراجين أرطاب" وعراجين: جمع عرجون، والعرجون: العذق أو إذا يبس واعوج، أو أصله أو عود الكباشة. وابن طاب: ضرب من الرطب. "القاموس المحيط ج4، ص: 248، ج1، ص: 98".
2 سهم غرب: أي لا يعرف راميه. "النهاية ج3، ص: 153".
3 انخزل الشيء: انقطع. "الصحاح ص: 1684".
4 عقر: كفرح، فجئه الروع فلم يقدر أن يتقدم أو يتأخرل. "القاموس المحيط ج2، ص: 94".
فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقُومَ فَأَتَاهُ أَبُو أُسَامَةَ الْجُشَمِيّ حَلِيفُهُ فَفَتَقَ دِرْعَهُ عَنْهُ وَاحْتَمَلَهُ. وَيُقَالُ ضَرَبَهُ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيّ بِالسّيْفِ فَقَطّ دِرْعَهُ. وَوَقَعَ لِوَجْهِهِ وَأَخْلَدَ إلَى الْأَرْضِ وَجَاوَزَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَبَصُرَ بِهِ ابْنَا زُهَيْرٍ الْجُشَمِيّانِ أَبُو أُسَامَةَ وَمَالِكٌ وَهُمَا حَلِيفَاهُ فَذَبّا عَنْهُ حَتّى نَجَوْا بِهِ وَاحْتَمَلَهُ أَبُو أُسَامَةَ فَنَجَا بِهِ وَجَعَلَ مَالِكٌ يَذُبّ عَنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " حَمَاهُ كَلْبَاهُ الْحَلِيفُ مِثْلُ أَبِي أُسَامَةَ كَأَنّهُ رَقْلٌ " - الرّقْلُ النّخْلَةُ الطّوِيلَةُ وَيُقَالُ إنّ الّذِي ضَرَبَهُ مُجَذّرُ بْنُ ذِيَادٍ.
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَمّهِ قَالَ سَمِعْت أَبَا بَكْرِ بْنَ سَلْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ سَمِعْت مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ يَسْأَلُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ عَنْ يَوْمِ بَدْرٍ، فَجَعَلَ الشّيْخُ يَكْرَهُ ذَلِكَ حَتّى أَلَحّ عَلَيْهِ فَقَالَ حَكِيمٌ: الْتَقَيْنَا فَاقْتَتَلْنَا، فَسَمِعْت صَوْتًا وَقَعَ مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ مِثْلَ وَقْعِ الْحَصَاةِ فِي الطّسْتِ وَقَبَضَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَبْضَةَ فَرَمَى بِهَا فَانْهَزَمْنَا
حَدّثَنَا مُحَمّدٌ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ بْنُ مُحَمّدٍ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْر قَالَ سَمِعْت نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةِ الدّيلِيّ يَقُولُ انْهَزَمْنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَنَحْنُ نَسْمَعُ كَوَقْعِ الْحَصَى فِي الطّسَاسِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَمِنْ خَلْفِنَا، فَكَانَ ذَلِكَ أَشَدّ الرّعْبِ عَلَيْنَا.
وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَقُولُ انْهَزَمْنَا يَوْمَ بَدْرٍ فَجَعَلْت أَسْعَى وَأَقُولُ قَاتَلَ اللّهُ ابْنَ الْحَنْظَلِيّةِ يَزْعُمُ أَنّ النّهَارَ قَدْ ذَهَبَ وَاَللّهِ إنّ النّهَارَ لَكَمَا هُوَ قَالَ حَكِيمٌ وَمَا ذَاكَ بِي إلّا حُبّا أَنْ يَأْتِيَ اللّيْلُ فَيَقْصُرُ عَنّا طَلَبُ الْقَوْمِ. فَيُدْرِكُ حَكِيمًا عُبَيْدُ اللّهِ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ ابْنَا الْعَوّامِ عَلَى جَمَلٍ لَهُمَا، فقال
عَبْدُ الرّحْمَنِ لِأَخِيهِ انْزِلْ فَاحْمِلْ أَبَا خَالِدٍ. وَكَانَ عُبَيْدُ اللّهِ رَجُلًا أَعْرَجَ لَا رُجْلَةَ بِهِ فَقَالَ عُبَيْدُ اللّهِ إنّهُ لَا رُجْلَةَ بِي كَمَا تَرَى. قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ وَاَللّهِ إنّ مِنْهُ بُدّ1; أَلَا نَحْمِلُ رَجُلًا إنْ مُتْنَا كَفَانَا مَا خَلْفَنَا مِنْ عِيَالِنَا، وَإِنْ عِشْنَا حَمَلَ2 كَلّنَا فَنَزَلَ عَبْدُ الرّحْمَنِ وَأَخُوهُ وَهُوَ أَعْرَجُ فَحَمَلَاهُ فَكَانُوا يَتَعَاقَبُونَ الْجَمَلَ فَلَمّا دَنَا مِنْ مَكّةَ فَكَانَ بِمَرّ الظّهْرَانِ، قَالَ وَاَللّهِ لَقَدْ رَأَيْت هَا هُنَا أَمْرًا مَا كَانَ يَخْرُجُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ لَهُ رَأْيٌ وَلَكِنّهُ شُؤْمُ ابْنِ الْحَنْظَلِيّةِ إنّ جَزُورًا نُحِرَتْ هَا هُنَا فَلَمْ يَبْقَ خِبَاءٌ إلّا أَصَابَهُ مِنْ دَمِهَا. فَقَالَا: قَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ وَلَكِنْ رَأَيْنَاك وَقَوْمَنَا مَضَيْتُمْ فَمَضَيْنَا مَعَكُمْ فَلَمْ يَكُنْ لَنَا أَمْرٌ مَعَكُمْ.
بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ قُرِئَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي حَيّةَ قَالَ:
حَدّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللّهِ مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ قَالَ فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خِفَافٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ الدّرُوعُ فِي قُرَيْشٍ كَثِيرَةً فَلَمّا انْهَزَمُوا جَعَلُوا يُلْقُونَهَا، وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَهُمْ وَيَلْقُطُونَ مَا طَرَحُوا، وَلَقَدْ رَأَيْتنِي يَوْمَئِذٍ أَلْتَقِطُ ثَلَاثَةَ أَدْرُعٍ جِئْت بِهَا أَهْلِي، كَانَتْ عِنْدَنَا بَعْدُ فَزَعَمَ لِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ - وَرَأَى دِرْعًا مِنْهَا عِنْدَنَا فَعَرَفَهَا - فَقَالَ هَذِهِ دِرْعُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ.
قَالَ الْوَاقِدِيّ: فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ قَالَ سَمِعْت أَبِي عَمْرَو بْنَ أُمَيّةَ قَالَ أَخْبَرَنِي مَنْ انْكَشَفَ يَوْمَئِذٍ مُنْهَزِمًا، وَإِنّهُ لَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ فَرّ مِنْهُ إلّا النّسَاءُ
1 في الأصل: "‘إن لا بد منه" وما أثبتناه من ب، ت.
2 في ح: "حملنا".
قَالُوا : وَكَانَ قُبَاثُ1 بْنُ أَشْيَمَ الْكِنَانِيّ يَقُولُ شَهِدْت مَعَ الْمُشْرِكِينَ بَدْرًا، وَإِنّي لَأَنْظُرُ إلَى قِلّةِ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ فِي عَيْنِي وَكَثْرَةِ مَا مَعَنَا مِنْ الْخَيْلِ وَالرّجَالِ2 فَانْهَزَمْت فِيمَنْ انْهَزَمَ فَلَقَدْ رَأَيْتنِي وَإِنّي لَأَنْظُرُ إلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كُلّ وَجْهٍ وَإِنّي لَأَقُولُ فِي نَفْسِي: مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ فَرّ مِنْهُ إلّا النّسَاءُ وَصَاحَبَنِي رَجُلٌ فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ مَعِي إذْ لَحِقَنَا مَنْ خَلْفَنَا، فَقُلْت لِصَاحِبِي: أَبِك نُهُوضٌ؟ قَالَ لَا وَاَللّهِ مَا هُوَ بِي. قَالَ وَعَقِرَ وَتَرَفّعْت3، فَلَقَدْ صَبّحْت غَيْقَةَ4 - عَنْ يَسَارِ السّقْيَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَرَعِ لَيْلَةٌ وَالْمَدِينَةُ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ - قَبْلَ الشّمْسِ كُنْت هَادِيًا بِالطّرِيقِ وَلَمْ أَسْلُكْ الْمَحَاجّ وَخِفْت مِنْ الطّلَبِ فَتَنَكّبْت عَنْهَا، فَلَقِيَنِي رَجُلٌ مِنْ قَوْمِي بِغَيْقَةَ فَقَالَ مَا وَرَاءَك؟ قُلْت: لَا شَيْءَ قُتِلْنَا وَأُسِرْنَا وَانْهَزَمْنَا، فَهَلْ عِنْدَك مِنْ حُمْلَانٍ؟ فَقَالَ فَحَمَلَنِي عَلَى بَعِيرٍ وَزَوّدَنِي زَادًا حَتّى لَقِيت الطّرِيقَ بِالْجُحْفَةِ، ثُمّ مَشَيْت حَتّى دَخَلْت مَكّةَ، وَإِنّي لَأَنْظُرُ إلَى الْحَيْسُمَانِ بْنِ حَابِسٍ الْخُزَاعِيّ بِالْغَمِيمِ5، فَعَرَفْت أَنّهُ يَقْدَمُ يَنْعَى قُرَيْشًا بِمَكّةَ، فَلَوْ أَرَدْت أَنْ أَسْبِقَهُ لَسَبَقْته، فَتَنَكّبْت عَنْهُ حَتّى سَبَقَنِي بِبَعْضِ النّهَارِ فَقَدِمْت وَقَدْ انْتَهَى إلَى مَكّةَ خَبَرُ قَتْلَاهُمْ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْخُزَاعِيّ وَيَقُولُونَ مَا جَاءَنَا بِخَيْرٍ فَمَكَثْت بِمَكّةَ، فَلَمّا كَانَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ قُلْت: لَوْ قَدِمْت الْمَدِينَةَ فَنَظَرْت مَا يَقُولُ مُحَمّدٌ وَقَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ. فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ فَسَأَلْت عَنْ رَسُولِ اللّهِ
1 في الأصل: "قثات" وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن ابن البر. الاستيعاب ص: 1303".
2 في ح: "والرحل".
3 ترفعت: من رفع البعير في السير، أي بالغ. "الصحاح ص: 1221".
4 في الأصل: "عيفة". وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن السمهودي. قال: موضع بساحل البحر قرب الجار، يصب فيها وادي ينبع ورضوى. "وفاء الوفاء ج2، ص: 354".
5 الغميم: موضع بين رابغ والجحفة. "وفاء الوفاء ج2، ص: 353".
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: هُوَ ذَاكَ فِي ظِلّ الْمَسْجِدِ مَعَ مَلَإٍ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَأَتَيْته، وَأَنَا لَا أَعْرِفُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَسَلّمْت فَقَالَ يَا قُبَاثَ بْنَ أَشْيَمَ أَنْتَ الْقَائِلُ يَوْمَ بَدْرٍ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ فَرّ مِنْهُ إلّا النّسَاءُ؟ قُلْت: أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ وَأَنّ هَذَا الْأَمْرَ مَا خَرَجَ مِنّي إلَى أَحَدٍ قَطّ، وَمَا تَرَمْرَمْت1 بِهِ إلّا شَيْئًا حَدّثْت بِهِ نَفْسِي، فَلَوْلَا أَنّك نَبِيّ مَا أَطْلَعَك اللّهُ عَلَيْهِ هَلُمّ حَتّى أُبَايِعَك. فَعَرَضَ عَلَيّ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْت.
قَالُوا: فَلَمّا تَصَافّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا. وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا ".
فَلَمّا انْهَزَمُوا كَانَ النّاسُ ثَلَاثَ فِرَقٍ فِرْقَةٌ قَامَتْ عِنْدَ خَيْمَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَعَهُ فِي الْخَيْمَةِ - وَفِرْقَةٌ أَغَارَتْ عَلَى النّهْبِ وَفِرْقَةٌ طَلَبَتْ الْعَدُوّ فَأَسَرُوا وَغَنِمُوا.
فَتَكَلّمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ مِمّنْ أَقَامَ عَلَى خَيْمَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا مَنَعَنَا أَنْ نَطْلُبَ الْعَدُوّ زَهَادَةٌ فِي الْأَجْرِ وَلَا جُبْنٌ عَنْ الْعَدُوّ. وَلَكِنّا خِفْنَا أَنْ يُعْرَى مَوْضِعُك فَتَمِيلُ عَلَيْك خَيْلٌ مِنْ خَيْلِ الْمُشْرِكِينَ وَرِجَالٌ مِنْ رِجَالِهِمْ وَقَدْ أَقَامَ عِنْدَ خَيْمَتِك وُجُوهُ النّاسِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَلَمْ يَشِذّ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَالنّاسُ يَا رَسُولَ اللّهِ كَثِيرٌ، وَمَتَى تُعْطِ هَؤُلَاءِ لَا يَبْقَ لِأَصْحَابِك شَيْءٌ وَالْأَسْرَى وَالْقَتْلَى كَثِيرٌ وَالْغَنِيمَةُ قَلِيلَةٌ. فَاخْتَلَفُوا، فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرّسُولِ} 2 فَرَجَعَ النّاسُ وَلَيْسَ لَهُمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْءٌ. ثُمّ أَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ {وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرّسُولِ} 3 فَقَسَمَهُ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهم.
1 ترمرم: حرك فاه للكلام. "الصحاح ص: 1937".
2 سورة 8 الأنفال 1
3 سورة 8 الأنفال 41
فَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ مُجَاهِدٍ أَبُو حَزْرَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ، قَالَ سَلّمْنَا الْأَنْفَالَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَمْ يُخَمّسْ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا ، وَنَزَلَتْ بَعْدُ {وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ} فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُسْلِمِينَ الْخُمُسَ فِيمَا كَانَ مِنْ أَوّلِ غَنِيمَةٍ بَعْدَ بَدْرٍ. فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ مِثْلَهُ.
وَحَدّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي الْغَنَائِمِ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَنَائِمِ أَنْ تُرَدّ فِي الْمَقْسَمِ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْءٌ إلّا رُدّ. فَظَنّ أَهْلُ الشّجَاعَةِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخُصّهُمْ بِهَا دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الضّعْفِ. ثُمّ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُقْسَمَ بَيْنَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللّهِ أَيُعْطَى فَارِسُ الْقَوْمِ الّذِي يَحْمِيهِمْ مِثْلَ مَا يُعْطَى الضّعِيفُ؟ فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَكِلَتْك أُمّك، وَهَلْ تُنْصَرُونَ إلّا بِضُعَفَائِكُمْ "؟
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ سَأَلْت مُوسَى بْنَ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ كَيْفَ فَعَلَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي الْأَسْرَى، وَالْأَسْلَابِ وَالْأَنْفَالِ؟ فَقَالَ نَادَى مُنَادِيهِ يَوْمَئِذٍ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا فَهُوَ لَهُ فَكَانَ يُعْطِي مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا سَلَبَهُ. وَأَمَرَ بِمَا وُجِدَ فِي الْعَسْكَرِ وَمَا أَخَذُوا بِغَيْرِ قِتَالٍ فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فَوَاق1 فَقُلْت لِعَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَمَنْ أُعْطِيَ سَلَبُ أَبِي جهل؟ قال اختلف
1 في ح: "عن فراق" وعن فواق: معناه جعل بعضهم فوق بعغض في القسم ممن رأى تفضيله أو يعني سرعة القسم. من فواق الناقة "شرح على المواهب اللدنية ج1، ص: 542".
فِيهِ عِنْدَنَا ; فَقَالَ قَائِلٌ أَخَذَهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَقَالَ قَائِلٌ أَعْطَاهُ ابْنَ مَسْعُودٍ. فَقُلْت لِعَبْدِ الْحَمِيدِ مَنْ أَخْبَرَك؟ قَالَ أَمّا الّذِي قَالَ دَفَعَهُ إلَى مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْبَرَنِيهِ خَارِجَةُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ كَعْبٍ وَأَمّا الّذِي قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَإِنّهُ حَدّثَنِيهِ سَعِيدُ بْنُ خَالِدٍ الْقَارِظِيّ. قَالُوا: وَقَدْ أَخَذَ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ دِرْعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ وَمِغْفَرَهُ وَبَيْضَتَهُ وَأَخَذَ حَمْزَةُ سِلَاحَ عُتْبَةَ وَأَخَذَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ دِرْعَ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ حَتّى وَقَعَتْ1 إلَى وَرَثَتِهِ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلٍ عَنْ عَمّهِ مُحَمّدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَدّ الْأَسْرَى وَالْأَسْلَابُ وَمَا أَخَذُوا فِي الْمَغْنَمِ ثُمّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فِي الْأَسْرَى، وَقَسَمَ الْأَسْلَابَ الّتِي نَفّلَ الرّجُلُ نَفْسَهُ فِي الْمُبَارَزَةِ وَمَا أَخَذَهُ فِي الْعَسْكَرِ فَقَسَمَهُ بَيْنَهُمْ عَنْ فُوَاقٍ وَالثّبْتُ عِنْدَنَا مِنْ هَذَا أَنّ كُلّ مَا جَعَلَهُ لَهُمْ فَإِنّهُ قَدْ سَلّمَهُ لَهُمْ وَمَا لَمْ يَجْعَلْ فَقَدْ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ. فَقَدْ جُمِعَتْ الْغَنَائِمُ وَاسْتَعْمَلَ [عَلَيْهَا] رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ عُمَرَ الْمَازِنِيّ حَدّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَسَمَهَا بِسَيَرٍ - سَيَرٌ شِعْبٌ بِمَضِيقِ الصّفْرَاءِ. وَقَدْ قِيلَ إنّ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا خَبّابَ بْنَ الْأَرَتّ.
فَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُكْنِفٍ الْحَارِثِيّ - مِنْ حَارِثَةِ الْأَنْصَارِ - قَالَ لَمّا جُمِعَتْ الْغَنَائِمُ كَانَ فِيهَا إبِلٌ وَمَتَاعٌ وَأَنْطَاعٌ وَثِيَابٌ فَقَسَمَهَا الْوَالِي2 فَجَعَلَ يُصِيبُ الرّجُلَ الْبَعِيرُ وَرِثّةٌ3 مَعَهُ وَآخَرَ بَعِيرَانِ وَآخَرَ أَنْطَاعٌ. وَكَانَتْ السّهْمَانُ عَلَى ثلاثمائة
1 في الأصل: "حتى وقعت إلي ورأيته" وما أثبتناه عن سائر النسخ.
2 في ت: "الموالي".
3 الرثة: متاع البيت. "النهاية ج2، ص: 68".
وَسَبْعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَالرّجَالُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالْخَيْلُ فَرَسَانِ لَهُمَا أَرْبَعَةُ أَسْهُمٍ. وَثَمَانِيَةُ نَفَرٍ لَمْ يَحْضُرُوا وَضَرَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسِهَامِهِمْ وَأُجُورِهِمْ فَكُلّهُمْ مُسْتَحِقّ فِي بَدْرٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَا اخْتِلَافَ فِيهِمْ عِنْدَنَا: عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ; خَلّفَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيّةَ، وَمَاتَتْ يَوْمَ قُدُومِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، بَعَثَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَسّسَانِ الْعِيرَ بَلَغَا الْحَوْرَاءَ - الْحَوْرَاءُ وَرَاءَ ذِي الْمَرْوَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا لَيْلَتَانِ عَلَى السّاحِلِ وَبَيْنَ ذِي الْمَرْوَةِ وَالْمَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ أَوْ أَكْثَرُ قَلِيلًا. وَمِنْ الْأَنْصَارِ: أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، خَلّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيّ، خَلّفَهُ عَلَى قُبَاءٍ1 وَأَهْلِ الْعَالِيَةِ ; وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، أَمَرَهُ بِأَمْرِهِ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ; وَخَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ، كُسِرَ بِالرّوْحَاءِ ; وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ كُسِرَ بِالرّوْحَاءِ - فَهَؤُلَاءِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِمْ عِنْدَنَا. وَقَدْ رُوِيَ أَنّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ وَقَالَ حِينَ فَرَغَ مِنْ الْقِتَالِ بِبَدْرٍ : لَئِنْ لَمْ يَكُنْ شَهِدَهَا سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، لَقَدْ كَانَ فِيهَا رَاغِبًا .
وَذَلِكَ أَنّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَمّا أَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِهَادِ كَانَ يَأْتِي دُورَ الْأَنْصَارِ يَحُضّهُمْ عَلَى الْخُرُوجِ فَنُهِشَ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ فَمَنَعَهُ ذَلِكَ مِنْ الْخُرُوجِ فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ. وَضَرَبَ لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ السّاعِدِيّ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ وَكَانَ تَجَهّزَ إلَى بَدْرٍ فَمَرِضَ بِالْمَدِينَةِ فَمَاتَ خِلَافَهُ2 وَأَوْصَى إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَضَرَبَ لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَضَرَبَ لِرَجُلٍ آخَرَ وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ لَيْسَ بِمُجْتَمَعٍ عَلَيْهِمْ كَاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الثّمَانِيَةِ.
1 قباء: قرية بعوالي المدينة "وفاء الوفاء ج2، ص: 357".
2 في ح: "خلاف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لِقَتْلَى بَدْرٍ ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا قُتِلُوا بِبَدْرٍ. قَالَ زَيْدُ بْنُ طَلْحَةَ حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ قَالَ أَخَذْنَا سَهْمَ أَبِي الّذِي ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَسَمَ الْغَنَائِمَ وَحَمَلَهُ إلَيْنَا عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ.
حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُكْنِفٍ، قَالَ سَمِعْت السّائِبَ بْنَ أَبِي لُبَابَةَ يُخْبِرُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْهَمَ لِمُبَشّرِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ، وَقَدِمَ بِسَهْمِهِ عَلَيْنَا مَعْنُ بْنُ عَدِيّ
وَكَانَتْ الْإِبِلُ الّتِي أَصَابُوا يَوْمَئِذٍ مِائَةَ بَعِيرٍ وَخَمْسِينَ بَعِيرًا، وَكَانَ مَعَهُمْ أَدَمٌ كَثِيرٌ حَمَلُوهُ لِلتّجَارَةِ فَغَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ. وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ فِيمَا أَصَابُوا قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا لَنَا لَا نَرَى الْقَطِيفَةَ؟ مَا نَرَى رَسُولَ اللّهِ إلّا أَخَذَهَا. فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ {وَمَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَغُلّ} 1 إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَجَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ فُلَانًا غَلّ قَطِيفَةً. فَسَأَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرّجُلَ فَقَالَ لَمْ أَفْعَلْ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ الدّالّ: يَا رَسُولَ اللّهِ احْفِرُوا هَاهُنَا. فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَفَرُوا2 هُنَاكَ فَاسْتُخْرِجَتْ الْقَطِيفَةُ. فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللّه، اسْتَغْفِرْ لِفُلَانٍ مَرّتَيْنِ أَوْ مِرَارًا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " دَعُونَا مِنْ آتِي جُرْمٍ "3 وَكَانَتْ الْخَيْلُ فَرَسَيْنِ فَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ يُقَالُ لَهَا سَبْحَةُ وَفَرَسٌ لِلزّبَيْرِ وَيُقَالُ لِمَرْثَدٍ. فَكَانَ الْمِقْدَادُ يَقُولُ ضَرَبَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ وَلِفَرَسِي بسهم وقائل
1 سورة 3 آل عمران 161
2 في ب، ت: "فحفر هناك".
3 هكذا في الأصل، وفي ب، ت: "من أبي خر".
يَقُولُ ضَرَبَ رَسُولُ اللّهِ يَوْمَئِذٍ لِلْفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ وَلِصَاحِبِهِ بِسَهْمٍ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ أَبِي عَبْسٍ عَنْ أَبِي عُفَيْرٍ مُحَمّدِ بْنِ سَهْلٍ قَالَ رَجَعَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ بِفَرَسٍ قَدْ غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ لِزَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ، صَارَ فِي سَهْمِهِ. وَأَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ خُيُولِهِمْ عَشَرَةَ أَفْرَاسٍ وَأَصَابُوا لَهُمْ سِلَاحًا وَظَهْرًا. وَكَانَ جَمَلُ أَبِي جَهْل يَوْمَئِذٍ فِيهَا، فَغَنِمَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَضْرِبُ عَلَيْهِ فِي إبِلِهِ وَيَغْزُو عَلَيْهِ حَتّى سَاقَهُ فِي هَدْيِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَسَأَلَهُ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَئِذٍ الْجَمَلَ بِمِائَةِ بَعِيرٍ فَقَالَ لَوْلَا أَنَا سَمّيْنَاهُ فِي الْهَدْيِ لَفَعَلْنَا وَكَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفِيّ1 مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ مِنْهَا شَيْءٌ.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، وَمُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَا : تَنَفّلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ لِمُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَزَا إلَى بَدْرٍ بِسَيْفٍ وَهَبَهُ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يُقَالُ لَهُ الْعَضْبُ وَدِرْعِهِ ذَاتِ الْفُضُولِ فَسَمِعْت ابْنَ أَبِي سَبْرَةَ يَقُولُ سَمِعْت صَالِحَ بْنَ كَيْسَانَ يَقُولُ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ وَمَا مَعَهُ سَيْفٌ. وَكَانَ أَوّلُ سَيْفٍ تَقَلّدَهُ سَيْفَ مُنَبّهِ بْنِ الْحَجّاجِ. غَنِمَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَكَانَ أَبُو أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ يُحَدّثُ فِيمَا حَدّثَنِي بِهِ عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبّاسِ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ وَكَانَ إذَا ذُكِرَ أَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ
1 الصفي: ما اختاره الرئيس لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. "القاموس المحيط ج4، ص: 352".
قَالَ مَا يَوْمِي1 مِنْهُ بِوَاحِدٍ فَيُقَالُ مَا هُوَ؟ فَقَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدّوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِمّا أَخَذُوا مِنْ الْأَنْفَالِ. قَالَ فَرَدَدْت سَيْفَ ابْنِ عَائِذٍ الْمَخْزُومِيّ وَاسْمُ السّيْفِ الْمَرْزُبَانُ وَكَانَ لَهُ قِيمَةٌ وَقَدْرٌ. وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ يَرُدّهُ إلَيّ. فَكَلّمَ رَسُولَ اللّهِ [فِيهِ]، وَكَانَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا يُسْأَلُهُ فَأَعْطَاهُ2 السّيْفَ وَخَرَجَ بُنَيّ لِي يَفَعَةٌ فَاحْتَمَلَتْهُ الْغُولُ فَذَهَبَتْ بِهِ مُتَوَرّكَةً3 ظَهْرًا. فَقِيلَ لِأَبِي أُسَيْدٍ وَكَانَتْ الْغِيلَانُ ذَلِكَ الزّمَانَ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكِنّهَا قَدْ هَلَكَتْ فَلَقِيَ ابْنِي ابْنَ الْأَرْقَمِ فَبَهَشَ4 إلَيْهِ ابْنِي وَبَكَى مُسْتَجِيرًا بِهِ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ؟ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَتْ الْغُولُ أَنَا حَاضِنَتُهُ. فَلَهَا عَنْهُ وَالصّبِيّ يُكَذّبُهَا، فَلَمْ يُعَرّجْ عَلَيْهِ5. وَخَرَجَ مِنْ دَارِي فَرَسٌ لِي فَقَطَعَ رَسَنَهُ فَلَقِيَهُ بِالْغَابَةِ6 فَرَكِبَهُ حَتّى إذَا دَنَا مِنْ الْمَدِينَةِ أَفْلَتْ مِنْهُ فَتَعَذّرَ إلَيّ أَنّهُ أَفْلَتْ مِنّي، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ حَتّى السّاعَةِ.
حَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ [بْنُ مُحَمّدٍ]7، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْت رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيْفَ الْعَاصِ بْنِ مُنَبّهٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَأَعْطَانِيهِ وَنَزَلَتْ فِيّ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ} 8 قال وَأَحْذَى9 رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَمَالِيكَ حَضَرُوا بَدْرًا وَلَمْ
1 في ت: "ما بؤسي منه".
2 أي أرقم بن أبي الأرقم.
3 في ت: "فتوركته".
4 بهش إليه: أنسرع إليه. "النهاية ج1‘ ص: 101"
5 في ح: "فلم يعرج عليه حتى الساعة".
6 الغابة: على بريد من المدينة طريق الشام كما ذكر ابن سعد. "الطبقات ج2، ص: 58".
7 الزيادة عن ب، ت.
8 سمرة 8 الأنفال 1
9 في الأصل، ح: "فأخذ" وما أثبتناه عن سائر النسخ. وأحذاه من الغنيمة: أعطاه. "الصحاح ص: 2311".
يُسْهِمْ لَهُمْ ثَلَاثَةُ أَعْبُدٍ غُلَامٌ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَغُلَامٌ لِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْف وَغُلَامٌ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَاسْتُعْمِلَ شُقْرَانُ غُلَامُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَسْرَى ; فَأَحْذَوْهُ1 مِنْ كُلّ أَسِيرٍ مَا لَوْ كَانَ حُرّا مَا أَصَابَهُ فِي الْمَقْسَمِ.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَمَيْت يَوْمَ بَدْرٍ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَقَطَعْت نَسَاهُ2 فَأَتْبَعْت أَثَرَ الدّمِ حَتّى وَجَدْته قَدْ أَخَذَهُ مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ، وَهُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ. فَقُلْت: أَسِيرِي، رَمَيْته فَقَالَ مَالِكٌ أَسِيرِي، أَخَذْته فَأَتَيَا رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا جَمِيعًا. فَأَفْلَتْ سُهَيْلٌ بِالرّوْحَاءِ مِنْ مَالِكِ بْن الدّخْشُمِ. فَصَاحَ فِي النّاسِ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ وَجَدَهُ فَلْيَقْتُلْهُ " فَوَجَدَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ.
فَحَدّثَنِي عِيسَى بْنُ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَصَابَ أَبُو بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ أَسِيرًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهُ مَعْبَدُ بْنُ وَهْبٍ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ. فَلَقِيَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَحُضّ عَلَى قَتْلِ الْأَسْرَى، لَا يَرَى أَحَدًا فِي يَدَيْهِ أَسِيرًا إلّا أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرّقَ النّاسُ. فَلَقِيَهُ مَعْبَدٌ وَهُوَ أَسِيرٌ مَعَ أَبِي بُرْدَةَ فَقَالَ أَتَرَوْنَ يَا عُمَرُ أَنّكُمْ قَدْ غَلَبْتُمْ؟ كَلّا وَاللّاتِ وَالْعُزّى فَقَالَ عُمَرُ عِبَادَ اللّهِ الْمُسْلِمِينَ أَتَكَلّمُ وَأَنْتَ أَسِيرٌ فِي أَيْدِينَا؟ ثُمّ أَخَذَهُ مِنْ أَبِي بُرْدَةَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَيُقَالُ إنّ أَبَا بُرْدَةَ قَتَلَهُ.
فَحَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ سعد، قال
1 في ح: "فأخذوا".
2 النسا: عرق من الورك إلى الكعب. "القاموس المحيط ج4، ص: 395".
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا تُخْبِرُوا سَعْدًا بِقَتْلِ أَخِيهِ1 فَيَقْتُلَ كُلّ أَسِيرٍ فِي أَيْدِيكُمْ ".
فَحَدّثَنِي خَالِدُ بْنُ الْهَيْثَمِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ أَخِيهِ فَيَقْتُلَهُ " وَلَمّا أُتِيَ بِالْأَسْرَى كَرِهَ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " يَا أَبَا عَمْرٍو، كَأَنّهُ شَقّ عَلَيْك الْأَسْرَى أَنْ يُؤْسَرُوا ". قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ كَانَتْ أَوّلَ وَقْعَةٍ الْتَقَيْنَا فِيهَا وَالْمُشْرِكُونَ فَأَحْبَبْت أَنْ يُذِلّهُمْ اللّهُ وَأَنْ يُثْخَنَ فِيهِمْ الْقَتْلُ.
وَكَانَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ أَسَرَهُ الْمِقْدَادُ يَوْمَئِذٍ فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَدْرٍ - وَكَانَ بِالْأُثَيْلِ2 - عَرَضَ عَلَيْهِ الْأَسْرَى، فَنَظَرَ إلَى النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ فَأَبَدّهُ3 الْبَصَرَ فَقَالَ لِرَجُلٍ إلَى جَنْبِهِ مُحَمّدٌ وَاَللّهِ قَاتِلِي، لَقَدْ نَظَرَ إلَيّ بِعَيْنَيْنِ فِيهِمَا الْمَوْتُ فَقَالَ الّذِي إلَى جَنْبِهِ وَاَللّهِ مَا هَذَا مِنْك إلّا رُعْبٌ. فَقَالَ النّضْرُ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: يَا مُصْعَبُ أَنْتَ أَقْرَبُ مَنْ هَا هُنَا بِي رَحِمًا. كَلّمْ صَاحِبَك أَنْ يَجْعَلَنِي كَرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي، هُوَ وَاَللّهِ قَاتِلِي إنْ لَمْ تَفْعَلْ. قَالَ مُصْعَبٌ: إنّك كُنْت تَقُولُ فِي كِتَابِ اللّهِ كَذَا وَكَذَا، [وَتَقُولُ فِي نَبِيّهِ كَذَا وَكَذَا]4. قَالَ يَا مُصْعَبُ فَلْيَجْعَلْنِي كَأَحَدِ أَصْحَابِي، إنْ قُتِلُوا قُتِلْت، وَإِنْ مَنّ عَلَيْهِمْ مَنّ عَلَيّ قَالَ مُصْعَبٌ: إنّك كُنْت تُعَذّبُ أَصْحَابَهُ. قَالَ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ أَسَرَتْك قُرَيْشٌ مَا قُتِلْتَ أَبَدًا وَأَنَا حَيّ. قَالَ مُصْعَبٌ وَاَللّهِ إنّي لَأَرَاك صادقا، ولكن
1 يعني عميرا.
2 الأثيل: موضع بين بدر والصفراء. "وفاء الوفاء ج2، ص: 242".
3 أي أعطاه بدته من النظر، أي حظه. "النهاية ج1، ص: 65".
4 الزيادة عن ب، ت، ح.
[لَسْت]1 مِثْلَك - قَطَعَ الْإِسْلَامُ الْعُهُودَ فَقَالَ الْمِقْدَادُ: أَسِيرِي قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اضْرِبْ عُنُقَهُ اللّهُمّ أَغْنِ الْمِقْدَادَ مِنْ فَضْلِك فَقَتَلَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السّلَامُ صَبْرًا بِالسّيْفِ بِالْأُثَيْلِ.
وَلَمّا أُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللّهِ انْزِعْ ثَنِيّتَيْهِ يُدْلَعُ2 لِسَانُهُ فَلَا يَقُومُ عَلَيْك خَطِيبًا أَبَدًا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا أُمَثّلُ بِهِ فَيُمَثّلَ اللّهُ بِي وَإِنْ كُنْت نَبِيّا، وَلَعَلّهُ يَقُومُ مَقَامًا لَا تَكْرَهُهُ ". فَقَامَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو حِينَ جَاءَهُ وَفَاةُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِمَكّةَ - كَأَنّهُ كَانَ يَسْمَعُهَا. قَالَ عُمَرُ حِينَ بَلَغَهُ كَلَامُ سُهَيْلٍ: أَشْهَدُ إنّك لَرَسُولُ اللّهِ يُرِيدُ حَيْثُ قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَعَلّهُ يَقُومُ مَقَامًا لَا تَكْرَهُهُ ".
وَكَانَ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ يُحَدّثُ يَقُولُ أَتَى جِبْرِيلُ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ فَخَيّرَهُ فِي الْأَسْرَى أَنْ يَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ وَيُسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ فِي قَابِلٍ عِدّتُهُمْ. فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَذَا جِبْرِيلُ يُخَيّرُكُمْ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ أَنْ نَضْرِبَ رِقَابَهُمْ أَوْ نَأْخُذَ مِنْهُمْ الْفِدْيَةَ وَيُسْتَشْهَدَ مِنْكُمْ فِي قَابِلٍ عدته م. قَالُوا: بَلْ نَأْخُذُ الْفِدْيَةَ وَنَسْتَعِينُ بِهَا، وَيُسْتَشْهَدُ مِنّا فَنَدْخُلُ الْجَنّةَ. فَقَبِلَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ فِي قَابِلٍ عِدّتُهُمْ بِأُحُدٍ.
قَالُوا : وَلَمّا حُبِسَ الْأَسْرَى بِبَدْرٍ - اُسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ شُقْرَانُ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ قَدْ اقْتَرَعُوا عَلَيْهِمْ - طَمِعُوا3 فِي الْحَيَا فَقَالُوا: لَوْ بَعَثْنَا إلَى أَبِي بَكْرٍ فَإِنّهُ أَوْصَلُ قُرَيْشٍ لِأَرْحَامِنَا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا آثَرُ عِنْدَ مُحَمّدٍ مِنْهُ فَبَعَثُوا إلَى أَبِي بَكْرٍ
1 الزيادة عن ب، ح.
2 أدلع: أخرج. "لسان العرب ج8، ص: 90".
3 في ب: "طمعا".
فَأَتَاهُمْ فَقَالُوا: يَا أَبَا بَكْرٍ، إنّ فِينَا الْآبَاءَ وَالْأَبْنَاءَ وَالْإِخْوَانَ وَالْعُمُومَةَ وَبَنِي الْعَمّ وَأَبْعَدُنَا قَرِيبٌ. كَلّمْ صَاحِبَك فَلْيَمُنّ عَلَيْنَا أَنْ يُفَادِنَا. فَقَالَ نَعَمْ إنْ شَاءَ اللّهُ لَا آلُوكُمْ خَيْرًا ثُمّ انْصَرَفَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالُوا: وَابْعَثُوا إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ فَإِنّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَلَا نَأْمَنُ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْكُمْ لَعَلّهُ يَكُفّ عَنْكُمْ. فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ فَجَاءَهُمْ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالُوا لِأَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَنْ آلُوكُمْ شَرّا ثُمّ انْصَرَفَ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ أَبَا بَكْرٍ وَالنّاسَ حَوْلَهُ وَأَبُو بَكْرٍ يُلَيّنُهُ وَيَفْثَؤُهُ1 وَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي قَوْمُك فِيهِمْ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْعُمُومَةُ وَالْإِخْوَانُ وَبَنُو الْعَمّ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْك قَرِيبٌ فَامْنُنْ عَلَيْهِمْ مَنّ اللّهُ عَلَيْك، أَوْ فَادِهِمْ يَسْتَنْقِذْهُمْ اللّهُ بِك مِنْ النّارِ فَتَأْخُذَ مِنْهُمْ مَا أَخَذْت قُوّةً لِلْمُسْلِمِينَ فَلَعَلّ اللّهَ يُقْبِلُ بِقُلُوبِهِمْ إلَيْك ثُمّ قَامَ فَتَنَحّى نَاحِيَةً وَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ. ثُمّ جَاءَ عُمَرُ فَجَلَسَ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هُمْ أَعْدَاءُ اللّهِ كَذّبُوك وَقَاتَلُوك وَأَخْرَجُوك اضْرِبْ رِقَابَهُمْ هُمْ رُءُوسُ الْكُفْرِ وَأَئِمّةُ الضّلَالَةِ يُوَطّئُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ بِهِمْ الْإِسْلَامَ وَيُذِلّ بِهِمْ أَهْلَ الشّرْكِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ إلَى مَقْعَدِهِ الْأَوّلِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي قَوْمُك فِيهِمْ الْآبَاءُ وَالْأَبْنَاءُ وَالْعُمُومَةُ وَالْإِخْوَانُ وَبَنُو الْعَمّ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْك قَرِيبٌ فَامْنُنْ عَلَيْهِمْ أَوْ فَادِهِمْ هُمْ عِتْرَتُك2 وَقَوْمُك، لَا تَكُنْ أَوّلَ مَنْ يَسْتَأْصِلُهُمْ يَهْدِيهِمْ اللّهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُهْلِكَهُمْ. فَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا.
وَتَنَحّى نَاحِيَةً فَقَامَ عُمَرُ فَجَلَسَ مَجْلِسَهُ. فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا تَنْتَظِرُ بِهِمْ؟اضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ يُوَطّئُ اللّهُ بِهِمْ الْإِسْلَامَ وَيُذِلّ أَهْلَ الشّرْكِ هُمْ أعداء
1 في ح: "ويغشاه" وفثأت الرجل إذا سكنت غضبه. "الصحاح ص: 62".
2 "هم عشيرتك" وعترة الرجل: أخص أقاربه. "النهاية ج3، ص: 65".
اللّهِ كَذّبُوك وَقَاتَلُوك وَأَخْرَجُوك يَا رَسُولَ اللّهِ اشْفِ صُدُورَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ قَدَرُوا عَلَى مِثْلِ هَذَا مِنّا مَا أَقَالُونَاهَا أَبَدًا فَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَقَامَ نَاحِيَةً فَجَلَسَ وَعَادَ أَبُو بَكْرٍ فَكَلّمَهُ مِثْلَ كَلَامِهِ الّذِي كَلّمَهُ بِهِ فَلَمْ يُجِبْهُ فَتَنَحّى نَاحِيَةً ثُمّ قَامَ عُمَرُ فَكَلّمَهُ كَلَامَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ. ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ قُبّتَهُ فَمَكَثَ فِيهَا سَاعَةً ثُمّ خَرَجَ وَالنّاسُ يَخُوضُونَ فِي شَأْنِهِمْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ الْقَوْلُ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَآخَرُونَ يَقُولُونَ الْقَوْلُ مَا قَالَ عُمَرُ فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَا تَقُولُونَ فِي صَاحِبَيْكُمْ هَذَيْنِ؟ دَعُوهُمَا فَإِنّ لَهُمَا مَثَلًا; مَثَلُ أَبِي بَكْرٍ كَمَثَلِ مِيكَائِيلَ يَنْزِلُ بِرِضَاءِ اللّهِ وَعَفْوِهِ عَنْ عِبَادِهِ وَمَثَلُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ إبْرَاهِيمَ كَانَ أَلْيَنَ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْعَسَلِ أَوْقَدَ لَهُ قَوْمُهُ النّارَ وَطَرَحُوهُ فِيهَا، فَمَا زَادَ عَلَى أَنْ قَالَ {أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} 1 وَقَالَ : {فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنّهُ مِنّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنّك غَفُورٌ رَحِيمٌ}2 وَمَثَلُهُ مَثَلُ عِيسَى إذْ يَقُولُ {إِنْ تُعَذّبْهُمْ فَإِنّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}3 . وَمَثَلُ عُمَرَ فِي الْمَلَائِكَةِ كَمَثَلِ جِبْرِيلَ يَنْزِلُ بِالسّخْطَةِ مِنْ اللّهِ وَالنّقْمَةِ عَلَى أَعْدَاءِ اللّهِ وَمَثَلُهُ فِي الْأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ نُوحٍ كَانَ أَشَدّ عَلَى قَوْمِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ إذْ يَقُولُ {رَبّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْكَافِرِينَ دَيّارًا} 4 فَدَعَا عَلَيْهِمْ دَعْوَةً أَغْرَقَ اللّهُ الْأَرْضَ جَمِيعَهَا، وَمَثَلِ مُوسَى إذْ يَقُولُ: {رَبّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوْا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} 5 وَإِنّ بِكُمْ عَيْلَةً فَلَا يَفُوتَنّكُمْ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلَاءِ إلا بفداء أو
1 سورة 21 الأنبياء 67
2 سورة 14 إبراهيم 36
3 سورة 5 المائدة 118
4 سورة 71 نوح 26
5 سورة 10 يونس 88
ضَرْبَةِ عُنُقٍ . فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَا رَسُولَ اللّهِ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ. -قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ: هَذَا وَهْمٌ سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ ، مَا شَهِدَ بَدْرًا، إنّمَا هُوَ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ سَهْلٌ-1 فَإِنّي رَأَيْته يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ بِمَكّةَ. فَسَكَتَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللّهِ فَمَا مَرّتْ عَلَيّ سَاعَةٌ قَطّ كَانَتْ أَشَدّ عَلَيّ مِنْ تِلْكَ السّاعَةِ فَجَعَلْت أَنْظُرُ إلَى السّمَاءِ أَتَخَوّفُ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيّ الْحِجَارَةُ لِتَقَدّمِي بَيْنَ يَدَيْ اللّهِ وَرَسُولِهِ بِالْكَلَامِ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ فَقَالَ إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ قَالَ فَمَا مَرّتْ عَلَيّ سَاعَةٌ أَقَرّ لَعَيْنَيّ مِنْهَا، إذْ قَالَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَيُشَدّدُ الْقَلْبَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ أَشَدّ مِنْ الْحِجَارَةِ وَإِنّهُ لَيُلَيّنُ الْقَلْبَ فِيهِ حَتّى يَكُونَ أَلْيَنَ مِنْ الزّبْدِ . وَقَبِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ الْفِدَاءَ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ يَوْمَ بَدْرٍ مَا نَجَا مِنْهُ إلّا عُمَرُ كَانَ يَقُولُ اُقْتُلْ وَلَا تَأْخُذْ الْفِدَاءَ
وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ يَقُولُ اُقْتُلْ وَلَا تَأْخُذْ الْفِدَاءَ. فَحَدّثَنِي مَعْمَرٌ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ: " لَو كَانَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ حَيّا لَوَهَبْت لَهُ هَؤُلَاءِ النّتْنَى " وَكَانَتْ لِمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ عِنْدَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إجَارَةٌ2 حِينَ رَجَعَ مِنْ الطّائِفِ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ أَمّنَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ أَبَا عَزّةَ عَمْرَو بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَيْرٍ الْجُمَحِيّ، وَكَانَ شَاعِرًا، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ الله صلى الله
1 الزيادة عن ب، ت.
2 في ح: "يد أجاره".
عليه وسلم وَقَالَ لِي خَمْسُ بَنَاتٍ لَيْسَ لَهُنّ شَيْءٌ فَتَصَدّقْ بِي عَلَيْهِنّ يَا مُحَمّدُ. فَفَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ أَبُو عَزّةَ أُعْطِيك مَوْثِقًا لَا أُقَاتِلُك وَلَا أُكْثِرُ عَلَيْك أَبَدًا. فَأَرْسَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ إلَى أُحُدٍ جَاءَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فَقَالَ اُخْرُجْ مَعَنَا فَقَالَ إنّي قَدْ أَعْطَيْت مُحَمّدًا مَوْثِقًا أَلّا أُقَاتِلَهُ وَلَا أُكْثِرَ عَلَيْهِ أَبَدًا، وَقَدْ مَنّ عَلَيّ وَلَمْ يَمُنّ عَلَى غَيْرِي حَتّى قَتَلَهُ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ الْفِدَاءَ. فَضَمِنَ صَفْوَانُ أَنْ يَجْعَلَ بَنَاتَه مَعَ بَنَاتِهِ إنْ قُتِلَ وَإِنْ عَاشَ أَعْطَاهُ مَالًا كَثِيرًا لَا يَأْكُلُهُ عِيَالُهُ. فَخَرَجَ أَبُو عَزّةَ يَدْعُو الْعَرَبَ وَيَحْشُرُهَا، ثُمّ خَرَجَ مَعَ قُرَيْشٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأُسِرَ وَلَمْ يُوسَرْ غَيْرُهُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ يَا مُحَمّدُ إنّمَا خَرَجْت1 مُكْرَهًا، وَلِي بَنَاتٌ فَامْنُنْ عَلَيّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَيْنَ مَا أَعْطَيْتنِي مِنْ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ؟ لَا وَاَللّهِ لَا تَمْسَحْ عَارِضَيْك بِمَكّةَ تَقُولُ سَخِرْت بِمُحَمّدٍ مَرّتَيْنِ "
حَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ، قَالَ قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنّ الْمُؤْمِنَ لَا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرّتَيْنِ يَا عَاصِمُ بْنَ ثَابِتٍ قَدّمْهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ " فَقَدّمَهُ عَاصِمٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ.
قَالُوا : وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ بِالْقُلُبِ أَنْ تُغَوّرَ ثُمّ أَمَرَ بِالْقَتْلَى فَطُرِحَ فِيهَا كُلّهُمْ إلّا أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ، فَإِنّهُ كَانَ مُسَمّنًا انْتَفَخَ مِنْ يَوْمِهِ فَلَمّا أَرَادُوا أَنْ يُلْقُوهُ تَزَايَلَ لَحْمُهُ فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُتْرُكُوهُ وَنَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى عُتْبَةَ يُجَرّ إلَى الْقَلِيبِ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا، فِي وَجْهِهِ أَثَرُ الْجُدَرِيّ فَتَغَيّرَ وَجْهُ ابنه
1 في ب، ت: "أخرجت" بالبناء للمفعول.
أَبِي حُذَيْفَةَ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا حُذَيْفَةَ كَأَنّك سَاءَك مَا أَصَابَ أَبَاك . قَالَ لَا وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ وَلَكِنّي رَأَيْت لِأَبِي عَقْلًا وَشَرَفًا ; كُنْت أَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُ اللّهُ1 إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمّا أَخْطَأَهُ ذَلِكَ وَرَأَيْت مَا أَصَابَهُ غَاظَنِي. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ أَبْقَى فِي الْعَشِيرَةِ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ كَانَ كَارِهًا لِوَجْهِهِ وَلَكِنْ الْحَيْنُ وَمَصَارِعُ السّوءِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي جَعَلَ [خَدّ]2 أَبِي جَهْلٍ الْأَسْفَلَ وَصَرَعَهُ وَشَفَانَا مِنْهُ " فَلَمّا تَوَافَوْا3 فِي الْقَلِيبِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُصَرّعُونَ وَأَبُو بَكْر يُخْبِرُهُ بِهِمْ رَجُلًا رَجُلًا، وَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْمَدُ اللّهَ وَيَشْكُرُهُ وَيَقُولُ: " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَنْجَزَ مَا وَعَدَنِي، فَقَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ ".
قَالَ ثُمّ وَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْقَلِيبِ، فَنَادَاهُمْ رَجُلًا رَجُلًا: يَا عُتْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، يَا شَيْبَةُ بْنَ رَبِيعَةَ، وَيَا أُمَيّةُ بْنَ خَلَفٍ، وَيَا أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا؟ فَإِنّي قَدْ وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا. بِئْسَ الْقَوْمُ كُنْتُمْ لِنَبِيّكُمْ كَذّبْتُمُونِي وَصَدّقَنِي النّاسُ وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النّاسُ وَقَاتَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النّاسُ . قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ تُنَادِي قَوْمًا قَدْ مَاتُوا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ عَلِمُوا أَنّ مَا وَعَدَهُمْ رَبّهُمْ حَقّ "
قَالُوا : وَكَانَ انْهِزَامُ الْقَوْمِ وَتَوَلّيهِمْ حِينَ زَالَتْ الشّمْسُ فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَدْرٍ وَأَمَرَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ كَعْبٍ بِقَبْضِ الْغَنَائِمِ وَحَمْلِهَا، وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرًا مِنْ أصحابه أن يعينوه
1 في ح: "أن يهديه ذلك"
2 الزيادة عن ب، ت، ح،
3 في الأصل: "تواروا". وما أثبتناه عن سائر النسخ.
فَصَلّى الْعَصْرَ بِبَدْرٍ ثُمّ رَاحَ فَمَرّ بِالْأُثَيْلِ -الْأُثَيْلُ: وَادٍ طُولُهُ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ بَدْرٍ مِيلَانِ فَكَأَنّهُ بَاتَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ بَدْرٍ-1 قَبْلَ غُرُوبِ الشّمْسِ فَنَزَلَ بِهِ وَبَاتَ بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ جِرَاحٌ وَلَيْسَتْ بِالْكَثِيرَةِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ مَنْ رَجُلٌ اللّيْلَةَ يَحْفَظُنَا؟ فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ.
قَالَ اجْلِسْ. ثُمّ عَادَ النّبِيّ2 صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ قَيْسٍ. قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اجْلِسْ ". ثُمّ مَكَثَ سَاعَةً ثُمّ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ؟ . فَقَالَ أَبُو سَبُعٍ3. ثُمّ مَكَثَ سَاعَةً وَقَالَ قُومُوا ثَلَاثَتُكُمْ . فَقَامَ ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْس وَحْدَهُ فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَأَيْنَ صَاحِبَاك "؟ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَنَا الّذِي أَجَبْتُك اللّيْلَةَ.قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَفِظَك اللّهُ فَكَانَ يَحْرُسُ الْمُسْلِمِينَ تِلْكَ اللّيْلَةَ حَتّى كَانَ آخِرَ اللّيْلِ فَارْتَحَلَ. قَالَ4 وَيُقَالُ صَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بِالْأُثَيْلِ فَلَمّا صَلّى رَكْعَةً تَبَسّمَ فَلَمّا سَلّمَ سُئِلَ عَنْ تَبَسّمِهِ فَقَالَ: " مَرّ بِي مِيكَائِيلُ وَعَلَى جَنَاحِهِ النّقْعُ فَتَبَسّمَ إلَيّ وَقَالَ "إنّي كُنْت فِي طَلَبِ الْقَوْمِ". وَأَتَاهُ جِبْرِيلُ حِينَ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ أَهْلِ بَدْرٍ، عَلَى فَرَسٍ أُنْثَى مَعْقُودِ النّاصِيَةِ قَدْ عَصَمَ ثَنِيّتَهُ الْغُبَارُ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ إنّ رَبّي بَعَثَنِي إلَيْك وَأَمَرَنِي أَلّا أُفَارِقَك حَتّى تَرْضَى ; هَلْ رَضِيت؟. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "نَعَمْ".
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْأَسْرَى، حَتّى إذَا كان بعرق
1 الزيادة عن ب، ت.
2 في ح: "ثم أعاد القول الثانية".
3 في ح: "أبو سبيع" بصيغة التصغير.
4 أي قال الواقدي.
الظبية أَمَرَ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَ أَسَرَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْعَجْلَانِيّ، فَجَعَلَ عُقْبَةُ يَقُولُ يَا وَيْلِي، عَلَامَ أُقْتَلُ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مِنْ بَيْنِ مَنْ هَاهُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لِعَدَاوَتِك لِلّهِ ولرسول ه". قَالَ يَا مُحَمّدُ، مَنّك أَفْضَلُ فَاجْعَلْنِي كَرَجُلٍ مِنْ قَوْمِي. إنْ قَتَلْتهمْ قَتَلْتنِي وَإِنْ مَنَنْت عَلَيْهِمْ مَنَنْت عَلَيّ وَإِنْ أَخَذْت مِنْهُمْ الْفِدَاءَ كُنْت كَأَحَدِهِمْ يَا مُحَمّدُ، مَنْ لِلصّبْيَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " النّارُ قَدّمْهُ يَا عَاصِمُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ " فَقَدّمَهُ عَاصِمٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بِئْسَ الرّجُلُ كُنْت وَاَللّهِ مَا عَلِمْت، كَافِرًا بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِكِتَابِهِ مُؤْذِيًا لِنَبِيّهِ فَأَحْمَدُ اللّهَ الّذِي هُوَ قَتَلَك وَأَقَرّ عَيْنِي مِنْك " وَلَمّا نَزَلُوا سَيّرَ - شِعْبٌ بِالصّفْرَاءِ - قَسَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَنَائِمَ بِهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ. حَدّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ.
وَقَدّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ رَوَاحَةَ مِنْ الْأُثَيْلِ. فَجَاءُوا يَوْمَ الْأَحَدِ شَدّ الضّحَى1، وَفَارَقَ عَبْدُ اللّهِ زَيْدًا بِالْعَقِيقِ فَجَعَلَ عَبْدُ اللّهِ يُنَادِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَبْشِرُوا بِسَلَامَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْرِهِمْ قُتِلَ ابْنَا رَبِيعَةَ، وَابْنَا الْحَجّاجِ وَأَبُو جَهْلٍ وَقُتِلَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْأَنْيَابِ فِي أَسْرَى كَثِيرَةٍ. قَالَ عَاصِمُ بْنُ عَدِيّ: فَقُمْت إلَيْهِ فَنَحَوْته فَقُلْت: أَحَقّا مَا تَقُولُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟ قَالَ إي وَاَللّهِ وَغَدًا يَقْدَمُ رَسُولُ اللّهِ إنْ شَاءَ اللّهُ وَمَعَهُ الْأَسْرَى مُقَرّنِينَ2. ثُمّ اتّبَعَ دُورَ الأنصار
1 شد الضحى: ارتفاعه "أساس البلاغة ص: 483".
2 في ت: "مقرونين".
بِالْعَالِيَةِ - الْعَالِيَةُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ مَنَازِلُهُمْ بِهَا - فَبَشّرَهُمْ دَارًا دَارًا، وَالصّبْيَانُ يَشْتَدّونَ مَعَهُ وَيَقُولُونَ قُتِلَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ حَتّى انْتَهَوْا إلَى بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ.
وَقَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ عَلَى نَاقَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَصْوَاءِ يُبَشّرُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، فَلَمّا جَاءَ الْمُصَلّى صَاحَ عَلَى رَاحِلَتِهِ قُتِلَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ. وَابْنَا الْحَجّاجِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ. وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ. وَأُسِرَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ذُو الْأَنْيَابِ فِي أَسْرَى كَثِيرَةٍ. فَجَعَلَ النّاسُ لَا يُصَدّقُونَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَيَقُولُونَ مَا جَاءَ زَيْدٌ إلّا فَلّا1 حَتّى غَاظَ الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ وَخَافُوا. وَقَدِمَ زَيْدٌ حِينَ سَوّوْا عَلَى رُقَيّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التّرَابَ بِالْبَقِيعِ.
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قُتِلَ صَاحِبُكُمْ وَمَنْ مَعَهُ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لِأَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ قَدْ تَفَرّقَ أَصْحَابُكُمْ تَفَرّقًا لَا يَجْتَمِعُونَ مِنْهُ أَبَدًا، وَقَدْ قُتِلَ عِلْيَةُ أَصْحَابِهِ وَقُتِلَ مُحَمّدٌ ; هَذِهِ نَاقَتُهُ نَعْرِفُهَا، وَهَذَا زَيْدٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ مِنْ الرّعْبِ وَجَاءَ فَلّا. قَالَ أَبُو لُبَابَةَ يُكَذّبُ اللّهُ قَوْلَك وَقَالَتْ يَهُودُ مَا جَاءَ زَيْدٌ إلّا فَلّا!
قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَجِئْت حَتّى خَلَوْت بِأَبِي. فَقُلْت: يَا أَبَهْ. أَحَقّ مَا تَقُولُ؟ قَالَ إي وَاَللّهِ حَقّا يَا بُنَيّ فَقَوِيَتْ فِي نَفْسِي، فَرَجَعْت إلَى ذَلِكَ الْمُنَافِقِ فَقُلْت: أَنْتَ الْمُرْجِفُ بِرَسُولِ اللّهِ وَبِالْمُسْلِمِينَ لَيُقَدّمَنّكَ رَسُولُ اللّهِ إذَا قَدِمَ فَلَيَضْرِبَنّ عُنُقَك فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمّدٍ إنّمَا هُوَ شَيْءٌ سَمِعْت النّاسَ يَقُولُونَهُ.
فَقَدِمَ بِالْأَسْرَى وَعَلَيْهِمْ شُقْرَانُ وَهُمْ تِسْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا الّذِينَ أُحْصُوا
1 الفل: القوم المنهزمون، ويقع على الواحد والاثنين والجميع. "النهاية ج3، ص: 215".
وَهُمْ سَبْعُونَ فِي الْأَصْلِ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ لَا شَكّ فِيهِ. وَاسْتُعْمِلَ عَلَيْهِمْ شُقْرَانُ غُلَامُ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَلَمْ يُعْتِقْهُ يَوْمَئِذٍ وَلَقِيَهُ النّاسُ يُهَنّئُونَهُ بِالرّوْحَاءِ بِفَتْحِ اللّهِ. فَلَقِيَهُ وُجُوهُ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ مَا الّذِي تُهَنّئُونَنَا بِهِ؟ فَوَاَللّهِ مَا قَتَلْنَا إلّا عَجَائِزَ صُلْعًا.
فَتَبَسّمَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي، أُولَئِكَ الْمَلَأُ لَوْ رَأَيْتهمْ لَهِبْتهمْ وَلَوْ أَمَرُوك لَأَطَعْتهمْ وَلَوْ رَأَيْت فِعَالَك مَعَ فِعَالِهِمْ لَاحْتَقَرْته ; وَبِئْسَ الْقَوْمُ كَانُوا عَلَى ذَلِكَ لِنَبِيّهِمْ فَقَالَ سَلَمَةُ أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ غَضَبِهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ إنّك يَا رَسُولَ اللّهِ لَمْ تَزَلْ عَنّي مُعْرِضًا مُنْذُ كُنّا بِالرّوْحَاءِ فِي بَدْأَتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَمّا مَا قُلْت لِلْأَعْرَابِيّ وَقَعْت عَلَى نَاقَتِك فَهِيَ حُبْلَى مِنْك، فَفَحّشْت وَقُلْت مَا لَا عِلْمَ لَك بِهِ وَأَمّا مَا قُلْت فِي الْقَوْمِ فَإِنّك عَمَدْت إلَى نِعْمَةٍ مِنْ نِعَمِ اللّهِ تُزَهّدُهَا ". فَاعْتَذَرَ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبِلَ مِنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْذِرَتَهُ فَكَانَ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِهِ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ وَلَقِيَهُ أَبُو هِنْدٍ الْبَيَاضِيّ مَوْلَى فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَمَعَهُ حَمِيتٌ1 مَمْلُوءٌ حَيْسًا2، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إنّمَا أَبُو هِنْدٍ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَنْكِحُوهُ وَأَنْكِحُوا إلَيْه ".
وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ وَلَقِيَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي ظَفّرَك وَأَقَرّ عَيْنَك وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا كَانَ تَخَلّفِي عَنْ بَدْرٍ وَأَنَا أَظُنّ أَنّك تَلْقَى عَدُوّا، وَلَكِنّي
1 قال ابن هشام: الحميت: الزق. "السيرة النبوية ج2، ص: 298".
2 الحيس: تمر يخلط بسمن وأقط، فيعجن شديدا ثم يندر منه نواه. "القاموس المحيط ج2، ص: 209".
ظَنَنْت أَنّهَا الْعِيرُ وَلَوْ ظَنَنْت أَنّهُ عَدُوّ مَا تَخَلّفْت. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَدَقْت ".
وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ نُوحٍ عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَ لَقِيَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِتُرْبَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى سَلَامَتِك وَمَا ظَفّرَك كُنْت يَا رَسُولَ اللّهِ لَيَالِيَ خَرَجْت مَوْرُودًا1، فَلَمْ يُفَارِقْنِي حَتّى كَانَ بِالْأَمْسِ فَأَقْبَلْت إلَيْك. فَقَالَ آجَرَك اللّه وَكَانَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو لَمّا كَانَ بِشَنُوكَةَ2 -شَنُوكَةُ فِيمَا بَيْنَ السّقْيَا وَمَلَل-3 كَانَ مَعَ مَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ الّذِي أَسَرَهُ4 فَقَالَ خَلّ سَبِيلِي لِلْغَائِطِ. فَقَامَ بِهِ فَقَالَ سُهَيْلٌ: إنّي أَحْتَشِمُ فَاسْتَأْخِرْ عَنّي فَاسْتَأْخَرَ عَنْهُ وَمَضَى سُهَيْلٌ عَلَى وَجْهِهِ انْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ الْقِرَانِ5 وَمَضَى، فَلَمّا أَبْطَأَ سُهَيْلٌ عَلَى مَالِكٍ أَقْبَلَ فَصَاحَ فِي النّاسِ فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ. وَخَرَجَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِهِ فَقَالَ: " مَنْ وَجَدَهُ فَلْيَقْتُلْهُ " فَوَجَدَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ دَفَنَ نَفْسَهُ بَيْن6 سَمُرَاتٍ فَأَمَرَ بِهِ فَرُبِطَتْ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ ثُمّ قَرَنَهُ إلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَرْكَبْ خُطْوَةً حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَلَقِيَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ.
فَحَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مِقْسَمٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ
1 قال الجوهري: الوزرد يوم الحمى، إذا أخذت صاحبها لوقت تقول: وردته الحمى فهو مورود. 0الصحاح ص: 546".
2 في الأصل: "بسوكة". وفي ح: "بتنوكة" وما أثبتناه عن ب، والبكري. "معجم ما استعجم ص: 815".
3 الزيادة عن ب، ت، ح.
4 الزيادة عن ح.
5 القران: الحبل. "النهاية ج3، ص: 248".
6 في ب، ت: "فوجده رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نفسه بين سمرات" وفي ح: "أخفى نفسه بين سمرات" والسمر، بضم الميم اسم شجر. "القاموس المحيط ج2، ص: 51".
عَبْدِ اللّهِ، قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَرَسُولُ اللّهِ عَلَى رَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَسُهَيْلٌ مَجْنُوبٌ وَيَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ فَلَمّا نَظَرَ أُسَامَةُ إلَى سُهَيْلٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَبُو يَزِيدَ قَالَ نَعَمْ هَذَا الّذِي كَانَ يُطْعِمُ بِمَكّةَ الْخُبْزَ .
وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، وَقَدِمَ بِالْأَسْرَى حِينَ قَدِمَ بِهِمْ وَسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ عِنْدَ آلِ عَفْرَاءَ فِي مَنَاحِتِهِمْ عَلَى عَوْفٍ وَمُعَوّذٍ1 وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ الْحِجَابُ. قَالَتْ سَوْدَةُ فَأَتَيْنَا فَقِيلَ لَنَا: هَؤُلَاءِ الْأَسْرَى قَدْ أُتِيَ بِهِمْ. فَخَرَجْت إلَى بَيْتِي وَرَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ وَإِذَا أَبُو يَزِيدَ مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَوَاَللّهِ إنْ مَلَكْت2 حِينَ رَأَيْته مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أَنْ قُلْت: أَبَا يَزِيدَ أَعْطَيْتُمْ بِأَيْدِيكُمْ أَلَا مُتّمْ كِرَامًا؟ فَوَاَللّهِ مَا رَاغَنِي إلّا قَوْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَيْتِ يَا سَوْدَةُ أَعَلَى اللّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ؟ فَقُلْت: يَا نَبِيّ اللّهِ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ نَبِيّا مَا مَلَكْت نَفْسِي حِينَ رَأَيْت أَبَا يَزِيدَ مَجْمُوعَةً يَدَاهُ إلَى عُنُقِهِ أَنْ قُلْت مَا قُلْت.
فَحَدّثَنِي خَالِدُ بْنُ إلْيَاسَ قَالَ حَدّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ قَالَ دَخَلَ خَالِدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأُمَيّةُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي مَنْزِلِ أُمّ سَلَمَةَ، وَأُمّ سَلَمَةَ فِي مَنَاحَةِ آلِ عَفْرَاءَ. فَقِيلَ لَهَا: أُتِيَ بِالْأَسْرَى. فَخَرَجَتْ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِمْ فَلَمْ تُكَلّمْهُمْ حَتّى رَجَعَتْ فَتَجِدُ رَسُولَ اللّهِ صلى الله
1 وهما ابنا عفراء، قتلا يوم بدر.
2 في ح: "ما ملكت نفسي".
عليه وسلم فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بَنِي عَمّي طَلَبُوا أَنْ يُدْخَلَ بِهِمْ عَلَيّ فَأُضِيفَهُمْ وَأَدْهُنَ رُءُوسَهُمْ وَأَلُمّ مِنْ شَعَثِهِمْ وَلَمْ أُحِبّ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ حَتّى أَسْتَأْمِرَك. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَسْت أَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْعَلِي مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَكِ .
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اسْتَوْصُوا بِالْأَسْرَى خَيْرًا " فَقَالَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ: كُنْت مَعَ رَهْطٍ مِنْ الْأَنْصَارِ جَزَاهُمْ اللّهُ خَيْرًا، كُنّا إذَا تَعَشّيْنَا أَوْ تَغَدّيْنَا آثَرُونِي بِالْخُبْزِ وَأَكَلُوا التّمْرَ وَالْخُبْزُ مَعَهُمْ قَلِيلٌ وَالتّمْرُ زَادُهُمْ حَتّى إنّ الرّجُلَ لَتَقَعُ فِي يَدِهِ الْكِسْرَةُ فَيَدْفَعُهَا إلَيّ. وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَزِيدُ وَكَانُوا يَحْمِلُونَنَا وَيَمْشُونَ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ عَنْ الزّهْرِيّ، قَالَ قَدِمَ بِالْأَسْرَى قَبْلَ مَقْدَمِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَوْمٍ. وَيُقَالُ قَدِمُوا فِي آخِرِ النّهَارِ مِنْ الْيَوْمِ الّذِي قَدِمَ فِيهِ.
قَالُوا : وَلَمّا تَوَجّهَ الْمُشْرِكُونَ إلَى بَدْرٍ كَانَ فِتْيَانٌ مِمّنْ تَخَلّفَ عَنْهُمْ سُمّارًا، يَسْمُرُونَ بِذِي طُوًى فِي الْقَمَرِ حَتّى يَذْهَبَ اللّيْلُ يَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَيَتَحَدّثُونَ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ لَيْلَةً إلَى أَنْ سَمِعُوا1 صَوْتًا قَرِيبًا مِنْهُمْ وَلَا يَرَوْنَ الْقَائِلَ رَافِعًا صَوْتَهُ يَتَغَنّى.
أَزَارَ2 الْحَنِيفِيّونَ بَدْرًا مُصِيبَةً ... سَيَنْقَضّ مِنْهَا رُكْنُ كِسْرَى وَقَيْصَرَا
أَرَنّتْ لَهَا صُمّ3 الْجِبَالِ وَأَفْزَعَتْ ... قَبَائِلَ مَا بَيْنَ الْوَتِيرِ4 وَخَيْبَرَا
1 هكذا في كل النسخ. وقد يكون "إذ سمعوا أفصح"
2 في ح: "أزاد".
3 صم الجبال: صخر الجباب. "القاموس المحيط ج4، ص: 140".
4 الوتير: موضع في ديار خزاعة. "معجم ما استعجم ص: 836".
أَجَازَتْ جِبَالَ الْأَخْشَبَيْنِ1 وَجُرّدَتْ ... حَرَائِرُ يضربن الترائب2 حسرا
أنشدنيه عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ. فَاسْتَمَعُوا لِلصّوْتِ فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَلَا يَرَوْنَ أَحَدًا، فَخَرَجُوا فَزِعِينَ حَتّى جَازُوا الْحِجْرَ3 فَوَجَدُوا مَشْيَخَةً مِنْهُمْ جِلّةً سُمّارًا، فَأَخْبَرُوهُمْ الْخَبَرَ فَقَالُوا لَهُمْ إنْ كَانَ مَا تَقُولُونَ حَقّا، إنّ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ يُسَمّوْنَ الْحَنِيفِيّةَ - وَمَا يَعْرِفُونَ اسْمَ الْحَنِيفِيّةِ يَوْمَئِذٍ. فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنْ الْفِتْيَانِ الّذِينَ كَانُوا بِذِي طُوًى إلّا وُعِكَ فَمَا مَكَثُوا إلّا لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا حَتّى قَدِمَ الْحَيْسُمَانُ بْنُ حَابِسٍ الْخُزَاعِيّ بِخَبَرِ أَهْلِ بَدْر وَمَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فَهُوَ يُخْبِرُهُمْ قَتْلَ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وَابْنَيْ الْحَجّاجِ وَأَبِي الْبَخْتَرِيّ وَزَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
قَالَ وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ جَالِسٌ4 يَقُول: لَا يَعْقِلُ هَذَا شَيْئًا مِمّا يَتَكَلّمُ بِهِ سَلُوهُ عَنّي5 فَقَالُوا: صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ، لَك بِهِ عِلْمٌ؟ قَالَ نَعَمْ ذَاكَ فِي الْحِجْرِ ، وَقَدْ رَأَيْت أَبَاهُ وَأَخَاهُ مَقْتُولَيْنِ6. قَالَ وَرَأَيْت سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أُسِرَ وَالنّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ. قَالُوا: وَمَا يُدْرِيك؟ قَالَ رَأَيْتهمَا مَقْرُونَيْنِ فِي الْحِبَالِ.
قَالُوا : بَلَغَ النّجَاشِيّ مَقْتَلُ قُرَيْشٍ بِمَكّةَ وَمَا ظَفّرَ اللّهُ بِهِ نَبِيّهُ فَخَرَجَ فِي ثَوْبَيْنِ أَبْيَضَيْنِ ثُمّ جَلَسَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمّ دَعَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ فَقَالَ أَيّكُمْ يَعْرِفُ بَدْرًا؟ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ النّجَاشِيّ: أَنَا عَارِفٌ بِهَا، قَدْ
1 الأخشبان: جبلا مكة. أبو قبيس والأحمر، "القاموس المحيط ج1، ص: 61"
2 الترائب: عظام الصدر. الصحاح ص: 91".
3 الحجر: حجر الكعبة. وهو ما حواه الحطيم المدار بالبليت جانب الشمال. "الصحاح ص: 623".
4 في الطبري عن الواقدي: "قاعد في الحجر" "تاريخ الرسل والملوك ص: 1338".
5 في الطبري عن الواقدي: "والله إن يعقل هذا فسلوه عني". "تاريخ الرسل والملوك ص: 1338".
6 في الطبري عن الوزاقدي: "حين قتلا" "تاريخ الرسل والملوك ص: 1338".
رَعَيْت الْغَنَمَ في جوانبها، هِيَ مِنْ السّاحِلِ عَلَى بَعْضِ نَهَارٍ وَلَكِنّي أَرَدْت أَنْ أَتَثَبّتَ مِنْكُمْ قَدْ نَصَرَ اللّهُ رَسُولَهُ بِبَدْرٍ فَأَحْمَدُ1 اللّهَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ بَطَارِقَتُهُ أَصْلَحَ اللّهُ الْمَلِكَ إنّ هَذَا لَشَيْءٌ لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ تَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ وَتَجْلِسُ عَلَى الْأَرْضِ فَقَالَ إنّي مِنْ قَوْمٍ إذَا أَحْدَثَ اللّهُ لَهُمْ نِعْمَةً ازْدَادُوا بِهَا تَوَاضُعًا. وَيُقَالُ إنّهُ قَالَ إنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السّلَامُ كَانَ إذَا حَدَثَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ازْدَادَ بِهَا تَوَاضُعًا.
وَلَمّا رَجَعَتْ قُرَيْشٌ إلَى مَكّةَ قَامَ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تَبْكُوا عَلَى قَتْلَاكُمْ وَلَا تَنُحْ عَلَيْهِمْ نَائِحَةٌ وَلَا يَبْكِهِمْ شَاعِرٌ وَأَظْهِرُوا الْجَلَدَ وَالْعَزَاءَ فَإِنّكُمْ إذَا نُحْتُمْ عَلَيْهِمْ وَبَكَيْتُمُوهُمْ بِالشّعْرِ أَذْهَبَ ذَلِكَ غَيْظَكُمْ فَأَكَلَكُمْ ذَلِكَ عَنْ عَدَاوَةِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ مَعَ أَنّهُ إنْ بَلَغَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ شَمِتُوا بِكُمْ فَيَكُونُ أَعْظَمُ الْمُصِيبَتَيْنِ شَمَاتَتَهُمْ وَلَعَلّكُمْ تُدْرِكُونَ ثَأْرَكُمْ وَالدّهْنُ وَالنّسَاءُ عَلَيّ حَرَامٌ حَتّى أَغْزُوَ مُحَمّدًا. فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ شَهْرًا لَا يَبْكِيهِمْ شَاعِرٌ وَلَا تَنُوحُ عَلَيْهِمْ نَائِحَةٌ.
فَلَمّا قَدِمَ بِالْأَسْرَى أَذَلّ اللّهُ بِذَلِكَ رِقَابَ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ، وَلَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَة يَهُودِيّ وَلَا مُنَافِقٌ إلّا خَضَدَ2 عُنُقَهُ لِوَقْعَةِ بَدْرٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ نَبْتَلٍ: لَيْتَ أَنّا كُنّا خَرَجْنَا مَعَهُ حَتّى نُصِيبَ مَعَهُ غَنِيمَةً وَفَرّقَ اللّهُ فِي صُبْحِهَا بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ وَقَالَتْ الْيَهُودُ فِيمَا بَيْنَهَا: هُوَ الّذِي نَجِدُهُ مَنْعُوتًا، وَاَللّهِ لَا تُرْفَعُ لَهُ رَايَةٌ بَعْدَ الْيَوْمِ إلّا ظَهَرَتْ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ بَطْنُ الْأَرْضِ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا، هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ النّاسِ وَسَادَاتُهُمْ وَمُلُوكُ الْعَرَبِ، وَأَهْلُ الْحَرَمِ وَالْأَمْنِ قَدْ أُصِيبُوا. فَخَرَجَ إلَى مَكّةَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي
1 في ح: "فاحمدوا".
2 كذا في الأصل وب؛ وفي ت: "خضع". وخضد عنقه: ثناه. "القاموس المحيط ج1، ص: 291".
وَدَاعَةَ بن ضبيرة فجعل يُرْسِلُ هِجَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَرِثَاءَ قَتْلَى بَدْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَرْسَلَ أَبْيَاتَهُ هَذِهِ يَقُولُ
طَحَنَتْ رَحَى بَدْرٍ لِمَهْلِك أَهْلِهِ ... وَلِمِثْلِ بَدْرٍ تَسْتَهِلّ وَتَدْمَعُ1
قُتِلَتْ سَرَاةُ النّاسِ حَوْلَ حِيَاضِهِ ... لَا تَبْعَدُوا إنّ الْمُلُوكَ تُصَرّعُ
وَيَقُولُ أَقْوَامٌ أَذَلّ بِسُخْطِهِمْ2 ... إنّ ابْنَ أَشْرَفَ ظَلّ كَعْبًا يَجْزَعُ
صَدَقُوا فَلَيْتَ الْأَرْضَ سَاعَةَ قُتّلُوا ... ظَلّتْ تَسِيخُ بِأَهْلِهَا3 وَتُصَدّعُ
نُبّئْت أَنّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامِهِمْ ... فِي النّاسِ يَبْنِي الصّالِحَاتِ وَيَجْمَعُ
لِيَزُورَ يَثْرِبَ بِالْجُمُوعِ وَإِنّمَا ... يَسْعَى عَلَى الْحَسَبِ الْقَدِيمُ الْأَرْوَعُ4
قَالَ الْوَاقِدِيّ: أَمْلَاهَا عَلَيّ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، وَمُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ وَابْنُ أَبِي الزّنَادِ قَالُوا: فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسّانَ بْنَ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيّ فَأَخْبَرَهُ بِمَنْزِلِهِ عِنْدَ أَبِي وَدَاعَةَ فَجَعَلَ يَهْجُو مَنْ نَزَلَ عِنْدَهُ حَتّى رَجَعَ كَعْبٌ إلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمّا أَرْسَلَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَخَذَهَا النّاسُ مِنْهُ وَأَظْهَرُوا الْمَرَاثِيَ وَجَعَلَ مَنْ لَقِيَ مِنْ الصّبْيَانِ وَالْجَوَارِي يُنْشِدُونَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ بِمَكّةَ ثُمّ إنّهُمْ رَثَوْا بِهَا، فَنَاحَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا شَهْرًا، وَلَمْ تَبْقَ دَارٌ بِمَكّةَ إلّا فِيهَا نَوْحٌ وَجَزّ النّسَاءُ شَعْرَ الرّءُوسِ وَكَانَ يُؤْتَى بِرَاحِلَةِ الرّجُلِ مِنْهُمْ أَوْ بِفَرَسِهِ فَتُوقَفُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَيَنُوحُونَ حَوْلَهَا، وَخَرَجْنَ إلَى السّكَكِ فَسَتَرْنَ السّتُورَ5 فِي الْأَزِقّةِ وَقَطَعْنَ الطّرُقَ فَخَرَجْنَ يَنُحْنَ وَصَدّقُوا رُؤْيَا عَاتِكَةَ وَجُهَيْمِ بْنِ الصّلْتِ.
وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ وَقَدْ كَمِدَ عَلَى من قتل من
1 في ح: "يستهل ويدمع"
2 في ح: "بعزهم".
3 ساخت الأرض بهم: انخسفت، "القاموس المحيط ج1، ص: 262".
4 الأروع: الذي يروع لحسنه وجماله. "شرح أبي ذر ص: 212".
5 يريد أن النساء يضعن الستور على الطرق ويقطعنها ليجعلن مكانا للنوح.
وَلَدِهِ كَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى وَلَدِهِ وَتَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَكَانَ يَقُولُ لِغُلَامِهِ بَيْنَ الْيَوْمَيْنِ احْمِلْ مَعِي خَمْرًا وَاسْلُكْ بِي الْفَجّ الّذِي سَلَكَ أَبُو حُكَيْمَةَ. فَيَأْتِي بِهِ عَلَى الطّرِيقِ عِنْدَ فَجّ فَيَجْلِسُ فَيَسْقِيهِ حَتّى يَنْتَشِيَ ثُمّ يَبْكِي عَلَى أَبِي حُكَيْمَةَ وَإِخْوَتِهِ ثُمّ يَحْثِي التّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَيَقُول لِغُلَامِهِ وَيْحَك اُكْتُمْ عَلَيّ أَنْ تَعْلَمَ بِي قُرَيْشٌ، فَإِنّي أَرَاهَا لَمْ تُجْمِعْ الْبُكَاءَ عَلَى قَتْلَاهَا.
فَحَدّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ قَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ رَجَعُوا إلَى مَكّةَ وَقُتِلَ أَهْلُ بَدْرٍ: لَا تَبْكُوا عَلَى قَتْلَاكُمْ فَيَبْلُغَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِكُمْ وَلَا تَبْعَثُوا فِي أَسْرَاكُمْ فَيَأْرَبَ1 بِكُمْ الْقَوْمُ أَلَا فَأَمْسِكُوا عَنْ الْبُكَاءِ قَالَتْ وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ أُصِيبَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ وَلَدِهِ - زَمْعَةُ وَعُقَيْلٌ وَالْحَارِثُ بْنُ زَمْعَةَ - فَكَانَ يُحِبّ أَنْ يَبْكِيَ عَلَى قَتْلَاهُ. فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إذْ سَمِعَ نَائِحَةً مِنْ اللّيْلِ فَقَالَ لِغُلَامِهِ وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ هَلْ بَكَتْ قُرَيْشٌ عَلَى قَتْلَاهَا؟ لَعَلّي أَبْكِي عَلَى أَبِي حُكَيْمَةَ - يَعْنِي زَمْعَةَ - فَإِنّ جَوْفِي قَدْ احْتَرَقَ فَذَهَبَ الْغُلَامُ وَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ إنّمَا هِيَ امْرَأَةٌ تَبْكِي عَلَى بَعِيرِهَا قَدْ أَضَلّتْهُ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ
تُبَكّي أَنْ يَضِلّ لَهَا بَعِيرٌ ... وَيَمْنَعُهَا مِنْ النّوْمِ السّهُودُ
فَلَا تَبْكِي عَلَى بَكْرٍ وَلَكِنْ ... عَلَى بَدْرٍ تَصَاغَرَتْ الْخُدُودُ2
فَبَكّي إنْ بَكَيْت عَلَى عَقِيلٍ ... وَبَكّي حَارِثًا أَسَدَ الْأُسُودِ
1 فيأرب: فيشتد. "شرح أبي ذر ص: 163". أي يشتدون في طلب الفداء.
2 كذا في الأصل، وب، ت. وفي البلاذري عن الواقدي: "تصاغرت الجدود"، "أنساب الأشراف ج1، ص: 149". وفي ابن إسحاق: "تقاصرت الجدود" والجدود جمع جد [بفتح الجيم] وهو هنا السعد والبخت. "شرح أبي ذر ص: 163".
وَبَكّيهِمْ وَلَا تَسَمِي1 جَمِيعًا ... وَمَا لِأَبِي حُكَيْمَةَ مِنْ نَدِيدِ2
عَلَى بَدْرٍ سَرَاةِ بَنِي هُصَيْصٍ ... وَمَخْزُومٍ وَرَهْطِ أَبِي الْوَلِيدِ
أَلَا قَدْ سَادَ بَعْدَهُمُ رِجَالٌ ... وَلَوْلَا يَوْمُ بَدْر لَمْ يَسُودُوا
أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي الزّنَادِ قَالَ سَمِعْت أَبِي يُنْشِدُ تَصَاغَرَتْ الْخُدُودُ وَلَا يُنْكِرُ الْجُدُودُ.
قَالُوا : وَمَشَى نِسَاءُ قُرَيْشٍ إلَى هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ فَقُلْنَ أَلَا تَبْكِينَ عَلَى أَبِيك وَأَخِيك وَعَمّك وَأَهْلِ بَيْتِك؟ فَقَالَتْ حَلْقَى3، أَنَا أَبْكِيهِمْ فَيَبْلُغُ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِنَا، وَنِسَاءُ بَنِي الْخَزْرَجِ لَا وَاَللّهِ حَتّى أَثْأَرَ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ وَالدّهْنُ عَلَيّ حَرَامٌ إنْ دَخَلَ رَأْسِي حَتّى نَغْزُوَ مُحَمّدًا. وَاَللّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنّ الْحُزْنَ يُذْهِبُ مِنْ قَلْبِي بَكَيْت; وَلَكِنْ لَا يُذْهِبُهُ إلّا أَنْ أَرَى ثَأْرِي بِعَيْنِي مِنْ قَتَلَةِ الْأَحِبّةِ. فَمَكَثَتْ عَلَى حَالِهَا لَا تَقْرَبُ الدّهْنَ وَمَا قَرِبَتْ فِرَاشَ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ يَوْمِ حَلَفَتْ حَتّى كَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ.
وَبَلَغَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ، وَهُوَ فِي أَهْلِهِ وَقَدْ كَانَ شَهِدَ مَعَهُمْ بَدْرًا، أَنّ قُرَيْشًا بَكَتْ عَلَى قَتْلَاهَا، فَقَدِمَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ خَفّتْ أَحْلَامُكُمْ وَسَفِهَ رَأْيُكُمْ وَأَطَعْتُمْ نِسَاءَكُمْ وَمِثْلُ قَتْلَاكُمْ يُبْكَى عَلَيْهِمْ؟ هُمْ أَجَلّ مِنْ الْبُكَاءِ مَعَ أَنّ ذَلِكَ يُذْهِبُ غَيْظَكُمْ عَنْ عَدَاوَةِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ الْغَيْظُ عَنْكُمْ إلّا أَنْ تُدْرِكُوا ثَأْرَكُمْ مِنْ عَدُوّكُمْ. فَسَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب كَلَامَهُ فَقَالَ يَا أَبَا مُعَاوِيَةَ غُلِبْت وَاَللّهِ مَا نَاحَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى قَتِيلٍ لَهَا إلَى الْيَوْمِ وَلَا بَكَاهُنّ شَاعِرٌ إلّا
1 لا تسمي: أراد "لا تسأمي" فنقل حركة الهمزة إلى السين ثم حذف الهمزة "شرح أبي ذر ص: 163".
2 النديد: الشبيه والمثل. "شرح أبي ذر ص: 163".
3 حلقى: أي حلقها الله، يعني أصابها وجع في حلقها خاصة. "النهاية ج1، ص: 251".
نَهَيْته، حَتّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ. وَإِنّي لَأَنّا الْمَوْتُورُ الثّائِرُ قُتِلَ ابْنِي حَنْظَلَةُ وَسَادَةُ أَهْلِ هَذَا الْوَادِي، أَصْبَحَ هَذَا الْوَادِي مُقْشَعِرّا لِفَقْدِهِمْ.
فَحَدّثَنِي مُعَاذُ بْنُ مُحَمّدٍ الْأَنْصَارِيّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، قَالَ لَمّا رَجَعَ الْمُشْرِكُونَ إلَى مَكّةَ وَقُتِلَ صَنَادِيدُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ أَقْبَلَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عُمَيْرِ الْجُمَحِيّ حَتّى جَلَسَ إلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ ، فَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ: قَبّحَ اللّهُ الْعَيْشَ بَعْدَ قَتْلَى بَدْرٍ. قَالَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ أَجَلْ وَاَللّهِ مَا فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ خَيْرٌ وَلَوْلَا دَيْنٌ عَلَيّ لَا أَجِدُ لَهُ قَضَاءً وَعِيَالٌ لَا أَدَعُ لَهُمْ شَيْئًا، لَرَحَلْت إلَى مُحَمّدٍ حَتّى أَقْتُلَهُ إنْ مَلَأْت عَيْنَيّ مِنْهُ. فَإِنّهُ بَلَغَنِي أَنّهُ يَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ فَإِنّ لِي عِنْدَهُمْ عِلّةً أَقُولُ قَدِمْت عَلَى ابْنِي هَذَا الْأَسِيرِ. فَفَرِحَ صَفْوَانُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ وَقَالَ يَا أَبَا أُمَيّةَ وَهَلْ نَرَاك فَاعِلًا؟ قَالَ إي وَرَبّ هَذِهِ الْبَنِيّةِ قَالَ صَفْوَانُ فَعَلَيّ دَيْنُك، وَعِيَالُك أُسْوَةُ عِيَالِي، فَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنّهُ لَيْسَ بِمَكّةَ رَجُلٌ أَشَدّ تَوَسّعًا عَلَى عِيَالِهِ مِنّي.
فَقَالَ عُمَيْرٌ قَدْ عَرَفْت بِذَلِكَ يَا أَبَا وَهْبٍ. قَالَ صَفْوَانُ فَإِنّ عِيَالَك مَعَ عِيَالِي، لَا يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجَزُ عَنْهُمْ وَدَيْنُك عَلَيّ. فَحَمَلَهُ صَفْوَانُ عَلَى بَعِيرٍ وَجَهّزَهُ وَأَجْرَى عَلَى عِيَالِهِ مِثْلَ مَا يُجْرِي عَلَى عِيَالِ نَفْسِهِ. وَأَمَرَ عُمَيْرٌ بِسَيْفِهِ فَشُحِذَ1 وَسُمّ ثُمّ خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَ لِصَفْوَانَ اُكْتُمْ عَلَيّ أَيّامًا حَتّى أَقْدَمَهَا. وَخَرَجَ فَلَمْ يَذْكُرْهُ صَفْوَانُ وَقَدِمَ عُمَيْرٌ فَنَزَلَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَعَقَلَ رَاحِلَتَهُ وَأَخَذَ السّيْفَ فَتَقَلّدَهُ ثُمّ عَمَدَ نَحْوَ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَظَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَحَدّثُونَ وَيَذْكُرُونَ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْهِمْ فِي بَدْرٍ، فَرَأَى عُمَيْرًا وَعَلَيْهِ السيف
1 شحذ السيف: أحده. 0القاموس المحيط ج1، ص: 354".
فَفَزِعَ عُمَرُ مِنْهُ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ دُونَكُمْ الْكَلْبَ هَذَا عَدُوّ اللّهِ الّذِي حَرّشَ بَيْنَنَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَحَزَرْنَا لِلْقَوْمِ وَصَعّدَ فِينَا وَصَوّبَ يُخْبِرُ قُرَيْشًا أَنّهُ لَا عَدَدَ لَنَا وَلَا كَمِينَ. فَقَامُوا إلَيْهِ فَأَخَذُوهُ. فَانْطَلَقَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَا عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَمَعَهُ السّلَاحُ وَهُوَ الْغَادِرُ الْخَبِيثُ الّذِي لَا نَأْمَنُهُ عَلَى شَيْءٍ.
فَقَالَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أ دخله عَلَيّ " فَخَرَجَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِحِمَالَةِ سَيْفِهِ فَقَبَضَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، وَأَخَذَ بِيَدِهِ الْأُخْرَى قَائِمَةَ السّيْفِ ثُمّ أَدْخَلَهُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَا عُمَرُ تَأَخّرْ عَنْهُ " فَلَمّا دَنَا عُمَيْرٌ مِنْ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنْعِمْ صَبَاحًا قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ أَكْرَمَنَا اللّهُ عَنْ تَحِيّتِك وَجَعَلَ تَحِيّتَنَا السّلَامَ ، وَهِيَ تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَنّةِ ". قَالَ عُمَيْرٌ إنّ عَهْدَك بِهَا لَحَدِيثٌ. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " قَدْ أَبْدَلَنَا اللّهُ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَمَا أَقْدَمَك يَا عُمَيْرُ "؟ قَالَ قَدِمْت فِي أَسِيرِي عِنْدَكُمْ تُقَارِبُونَنَا فِيهِ فَإِنّكُمْ الْعَشِيرَةُ وَالْأَهْلُ. قَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَمَا بَالُ السّيْفِ "؟ قَالَ قَبّحَهَا اللّهُ مِنْ سُيُوفٍ وَهَلْ أَغْنَتْ مِنْ شَيْءٍ؟ وَإِنّمَا نَسِيته حِينَ نَزَلَتْ وَهُوَ فِي رَقَبَتِي، وَلَعَمْرِي إنّ لِي لَهَمّا غَيْرَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اُصْدُقْ مَا أَقْدَمَك "؟ قَالَ مَا قَدِمْت إلّا فِي أَسِيرِي. قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " فَمَا شَرَطْت لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ فِي الْحِجْرِ "؟ فَفَزِعَ عُمَيْرٌ فَقَالَ مَاذَا شَرَطْت لَهُ؟ قَالَ: " تَحَمّلْت لَهُ بِقَتْلِي عَلَى أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَك وَيَعُولَ عِيَالَك ; وَاَللّهُ حَائِلٌ بَيْنِي وَبَيْنَك "1. قَالَ عُمَيْرٌ أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ وَأَنّك صَادِقٌ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ كُنّا يَا رَسُولَ اللّهِ نُكَذّبُك
1 في ب، ت: "بينك وبين ذلك".
بِالْوَحْيِ وَبِمَا يَأْتِيك مِنْ السماء وَإِنّ هَذَا الْحَدِيثَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَفْوَانَ كَمَا قُلْت، فَلَمْ يَطّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرِي وَغَيْرُهُ وَقَدْ أَمَرْته أَنْ يَكْتُمَ عَنّي لَيَالِيَ مَسِيرِي فَأَطْلَعَك اللّهُ عَلَيْهِ فَآمَنْت بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَشَهِدْت أَنّ مَا جِئْت بِهِ حَقّ ; الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي سَاقَنِي هَذَا الْمَسَاقَ وَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ هَدَاهُ اللّهُ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَخِنْزِيرٌ كَانَ أَحَبّ إلَيّ مِنْهُ حِينَ طَلَعَ وَهُوَ السّاعَةَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ بَعْضِ وَلَدِي. فَقَالَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَلّمُوا أَخَاكُمْ الْقُرْآنَ وَأَطْلِقُوا لَهُ أَسِيرَهُ ". فَقَالَ عُمَيْرٌ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي كُنْت جَاهِدًا عَلَى إطْفَاءِ نُورِ اللّهِ فَلَهُ الْحَمْدُ أَنْ هَدَانِي ; فَائْذَنْ لِي فَأَلْحَقُ قُرَيْشًا فَأَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ فَلَعَلّ اللّهَ يَهْدِيهِمْ وَيَسْتَنْقِذُهُمْ مِنْ الْهَلَكَةِ. فَأَذِنَ لَهُ فَخَرَجَ فَلَحِقَ بِمَكّةَ فَكَانَ صَفْوَانُ يَسْأَلُ عَنْ عُمَيْرٍ كُلّ رَاكِبٍ يَقْدَمُ مِنْ الْمَدِينَةِ وَيَقُولُ هَلْ حَدَثَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ حَدَثٍ؟ وَيَقُولُ لِقُرَيْشٍ أَبْشِرُوا بِوَقْعَةٍ تُنْسِيكُمْ وَقْعَةَ بَدْرٍ. فَقَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلَهُ صَفْوَانُ عَنْ عُمَيْرٍ فَقَالَ أَسْلَمَ. فَلَعَنَهُ صَفْوَانُ وَلَعَنَهُ الْمُشْرِكُونَ بِمَكّةَ وَقَالُوا: صَبَأَ عُمَيْرٌ فَحَلَفَ صَفْوَانُ أَلّا يُكَلّمَهُ أَبَدًا وَلَا يَنْفَعَهُ وَطَرَحَ عِيَالَهُ. وَقَدِمَ عُمَيْرٌ عَلَيْهِمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَدَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَخَبّرَهُمْ بِصِدْقِ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ مَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ قَالَ لَمّا قَدِمَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ نَزَلَ فِي أَهْلِهِ وَلَمْ يَقْرَبْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ، فَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَدَعَا إلَيْهِ فَبَلَغَ صَفْوَانَ فَقَالَ قَدْ عَرَفْت حِينَ لَمْ يَبْدَأْ بِي قَبْلَ مَنْزِلِهِ وَإِنّمَا رَحَلَ مِنْ عِنْدِي، أَنّهُ قَدْ1 ارْتَكَسَ وَلَا أُكَلّمُهُ مِنْ رَأْسِي أَبَدًا، وَلَا أَنْفَعُهُ وَلَا عِيَالَهُ بِنَافِعَةٍ أَبَدًا. فَوَقَفَ عَلَيْهِ عُمَيْرٌ وَهُوَ فِي
1 في ح: "وقد كان رجل أخبرني أنه ارتكس".
الحجر، فقال أَبَا وَهْبٍ فَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقَالَ عُمَيْرٌ أَنْتَ سَيّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، أَرَأَيْت الّذِي كُنّا عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ حَجَرٍ وَالذّبْحِ لَهُ أَهَذَا دِينٌ؟ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ، وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَلَمْ يُجِبْهُ صَفْوَانُ بِكَلِمَةٍ.
الْمُطْعِمُونَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ
وَكَانَ الْمُطْعِمُونَ فِي عَبْدِ مَنَافٍ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ، وَشَيْبَةَ وعُتْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ ; وَمِنْ بَنِي أَسَدٍ: زَمْعَةَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَنَوْفَلَ بْنَ خُوَيْلِدِ بْنِ الْعَدَوِيّةِ، وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَبُو جَهْلٍ وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ، وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ نُبَيْهَ وَمُنَبّهَ ابْنَا الْحَجّاجِ. قَالَ1 وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ يَقُولُ مَا أَطْعَمَ أَحَدٌ بِبَدْرٍ إلّا قُتِلَ. قَالَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْنَا فِيهِمْ وَهَذَا أَثْبَتُ عِنْدَنَا. وَقَدْ ذَكَرُوا عِدّةً مِنْهُمْ سُهَيْلٌ وَأَبُو الْبَخْتَرِيّ وَغَيْرُهُمَا.
فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُمَارَةَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَدِمْت عَلَى النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فِي فِدَاءِ الْأَسْرَى، فَاضْطَجَعْت فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقَدْ أَصَابَنِي الْكَرَى فَنِمْت، فَأُقِيمَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَقُمْت فَزِعًا بِقِرَاءَةِ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَغْرِبِ {وَالطّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ} 2 فَاسْتَمَعْت قِرَاءَتَهُ حَتّى خَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ فَكَانَ يَوْمَئِذٍ أَوّلُ مَا دَخَلَ الْإِسْلَامُ قَلْبِي.
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قدم من
1 أي قال الواقدي.
2 سورة 52 الطور 1-2
قُرَيْشٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِي فِدَاءِ أَصْحَابِهِمْ.
وَحَدّثَنِي شُعَيْبُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ بَشِيرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَيْدٍ، قَالَ قَدِمَ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَكَانَ أَوّلَ مَنْ قَدِمَ الْمُطّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، ثُمّ قَدِمُوا بَعْدَهُ بِثَلَاثِ لَيَالٍ.
فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفِدَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ لِكُلّ رَجُلٍ. فَحَدّثَنِي إسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى قَالَ سَأَلْت نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ: كَمْ1 كَانَ الْفِدَاءُ؟ قَالَ أَرْفَعُهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ إلَى ثَلَاثَةِ آلَافٍ إلَى أَلْفَيْنِ إلَى أَلْفٍ إلَى قَوْمٍ2 لَا مَالَ لَهُمْ مَنّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَبِي وَدَاعَةَ: " إنّ لَهُ بِمَكّةَ ابْنًا كَيّسًا لَهُ مَالٌ وَهُوَ مُغْلٍ فِدَاءَهُ ". فَافْتَدَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ وَكَانَ أَوّلَ أَسِيرٍ اُفْتُدِيَ.
وَذَلِكَ أَنّ قُرَيْشًا قَالَتْ لِابْنِهِ الْمُطّلِبِ وَرَأَتْهُ يَتَجَهّزُ يَخْرُجُ إلَى أَبِيهِ فَقَالُوا: لَا تَعْجَلْ فَإِنّا نَخَافُ أَنْ تُفْسِدَ عَلَيْنَا فِي أُسَارَانَا، وَيَرَى مُحَمّدٌ تَهَالُكَنَا فَيُغْلِيَ عَلَيْنَا الْفِدْيَةَ فَإِنْ كُنْت تَجِدُ فَإِنّ كُلّ قَوْمِك لَا يَجِدُونَ مِنْ السّعَةِ مَا تَجِدُ. فَقَالَ لَا أَخْرُجُ حَتّى تَخْرُجُوا. فَخَادَعَهُمْ حَتّى إذَا غَفَلُوا خَرَجَ مِنْ اللّيْلِ مُشْرِقًا3 عَلَى رَاحِلَتِهِ فَسَارَ أَرْبَعَ لَيَالٍ إلَى الْمَدِينَةِ، فَافْتَدَى أَبَاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ. فَلَامَتْهُ فِي ذَلِكَ قُرَيْش فَقَالَ مَا كُنْت لِأَتْرُكَ أَبِي أَسِيرًا فِي أَيْدِي الْقَوْمِ وَأَنْتُمْ مُتَضَجّعُونَ4. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب: إنّ هَذَا غُلَامٌ حدث
1 في الأصل: "كيف كان" وما أثبتناه عن ب، ت.
2 في ح: "إلا قوما".
3 في الأصل: "منسرفا". وفي ت: "متشرقا". وما أثبتناه قراءة ب. والتشريق: الأخذ في ناحية الشرق. "القاموس المحيط ج3، 249".
4 تضجع في الأمر: أي تقعد ولم يقم به. "الصحاح ص: 1248".
مُعْجَبٌ بِرَأْيِهِ وَهُوَ مُفْسِدٌ عَلَيْكُمْ إنّي وَاَللّهِ غَيْرُ مُفْتَدٍ عَمْرَو بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَلَوْ مَكَثَ سَنَةً أَوْ يُرْسِلُهُ مُحَمّدٌ وَاَللّهِ مَا أَنَا بِأَعْوَزِكُمْ وَلَكِنّي أَكْرَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيّ أَوْ أُدْخِلَ عَلَيْكُمْ مَا يَشُقّ عَلَيْكُمْ وَيَكُونُ عَمْرٌو كَأُسْوَتِكُمْ.
أَسَمَاءُ النّفَرِ الّذِينَ قَدِمُوا فِي الْأَسْرَى
مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْس: الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعَمْرُو بْنُ الرّبِيعِ أَخُو أَبِي الْعَاصِ وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ ; وَمِنْ عَبْدِ الدّارِ طَلْحَةُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَمِنْ بَنِي أَسَدٍ: عُثْمَانُ بْنُ أَبِي حُبَيْشٍ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ. وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَهِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَفَرْوَةُ بْنُ السّائِبِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ: أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ، وَعُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ الْمُطّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ، وَعَمْرُو بْنُ قَيْسٍ ; وَمِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ حِسْلٍ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصِ بْنِ الْأَخْيَفِ1.
فَحَدّثَنِي الْمُنْذِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ عِيسَى بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا، قَالَتْ لَمّا بَعَثَ أَهْلُ مَكّةَ فِي فِدَاءِ أَسْرَاهُمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِدَاءِ زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ لِخَدِيجَةَ - يُقَالُ إنّهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ2، كَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أَدَخَلْتهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ حِينَ بَنَى بِهَا. فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِلَادَةَ عرفها ورق لها،
1 في ح: "مكرز بن الأحنف". وما أثبتناه عن سائر النسخ، وعن أبن سعد. "الطبقات ج2، ص: 70".
2 قال الفيروز أبادي: ظفار باليمن قرب صنعاء، إليه ينسب الجزع. "القاموس المحيط ج2، ص: 81".
وَذَكَرَ خَدِيجَةَ وَرَحّمَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: " إنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدّوا إلَيْهَا مَتَاعَهَا فَعَلْتُمْ ". فَقَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ. فَأَطْلَقُوا أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرّبِيعِ وَرَدّوا عَلَى زَيْنَبَ مَتَاعَهَا. وَأَخَذَ النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ أَنْ يُخَلّيَ سَبِيلَهَا، فَوَعَدَهُ ذَلِكَ وَقَدِمَ فِي فِدَائِهِ عَمْرُو بْنُ الرّبِيعِ أَخُوهُ. وَكَانَ الّذِي أَسَرَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النّعْمَانِ أَخُو خَوّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ . قَالَ " تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ " . قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ . فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا "
الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)
الاعضاء الذين قرؤوا الموضوع: 0
المفضلات